حدث "الثورة" وقوة المجتمع العربي
أمينة بوشهاب – الخليج 23-02-2011

 

أي زمن هذا الذي جمعنا بالتاريخ بهذه الصورة؟

 

لا تحتاج الثورات إلى من يشاهدها، وإنما تحتاج إلى فاعلين تاريخيين يقومون بها. فأي زمن هو هذا الذي أتاح لنا وللبشرية جمعاء وهي تشخص مثلنا إلى الشاشة، الفرصة التاريخية بأن نكون حضوراً مشاهدين لذلك الحجم من زخم الفعل الانساني الجمعي وهو يضرب بموجه ويطيح بقوته أعتى أنظمة السياسة.

 

هذا الفعل الاستثنائي في التاريخ، والهائل القوة والطاقة الذي شاهدناه، اسمه “الثورة” ولا اسم له أقل منها، وعوض أن يكون مكانه بطون كتب التاريخ ونقرأ منها ونتثقف عن الملامح الكبرى للحدث وصيرورته كما فعلت الأجيال السابقة، أو بالأصح نخب منها، كنا مشاهديه الأيقاظ وكنا نسجله ونكتبه في صفحات أذهاننا حياً كما كان يحدث على مدى الثمانية عشر يوماً. لقد فرض الحدث التاريخي الكوني الجلل نفسه على الجمهور العالمي المشاهد الذي شاركنا نحن العرب من خلال العاطفة الانسانية الواحدة مشاهدة تدفق أحداث الثورة وهي تتبلور وتعلو في الوتيرة وهي تذهب نحو تحقيق غايتها. تغير الزمن وتغير معه الزمن التلفزيوني في البيوت العربية ليحل المشهد الثوري محل ما عداه أو قبله، فكل المشاهدين العاديين للمباريات والمسلسلات والأغاني وجمهور برامج الدين غير المسيس، وبإدراك منهم يوازي القيمة التاريخية للحدث، تحولوا إلى المشاهدة المقيمة للثورة ليلاً ونهارا .

 

وهكذا، وبالمقارنة مع أجيال سابقة، كان جيل البشرية الحالي هذا هو الذي في كثرته رأى الفاعلين التاريخيين رأي العين في ملاحمهم وهي تتسطر مشاهد مهيبة أمام الأعين. رآهم منذ أن قرروا الفعل التاريخي واضمروا فعله وأعلنوه وأعلنوا مطالبهم حتى أنهوه منتصرين، رأوهم في كل مراحل الثورة بعواطفهم وطاقاتهم وأفعالهم العملاقة وجسارتهم ودمائهم المنسكبة، وسمعهم بلغتهم وبلاغتهم، وهي البلاغة المصرية الشفوية التي احتار فيها الدارسون، والتي كأنها لم توجد ولم تدخر إلا لحدث الثورة العظيم الذي انفجر ليرفع المظالم .

 

ولم تكن ثورة واحدة فحسب تلك التي  شهدها المشاهدون وأخذتهم في زخمها وموجها في مدى الشهرين الأولين من السنة الجديدة، بل اثنتين، التونسية والمصرية . فأي ميزة وخصوصية بهذه المعاينة وهذا الحضور لجيل البشرية هذا، بل أي خصوصية للعرب بالذات وهم الذين يعودون للتاريخ بثورتين للقرن الجديد. ثورتان بمستوى التاريخ العربي وصورته الزاهية في مخيلتهم، إنهما ثورتان تحملان الكثير للعالم لتعلمه، كما أنهما تغيران صورة العرب لدى الشعوب، إنه الانتصاف من البؤس التاريخي والتعويض الإلهي لنا على معايشة أسوأ الأزمان والهزائم وتجرع اشكال الذل والغضب والشعور بالنقص تجاه الأمم الأخرى .

 

بالفعل، أي زمن هذا الذي ضرب عقولنا بصدمة اللامتوقع وهو حدوث الثورتين، هذا اللامتوقع كان لعله السحر الأخاذ الأكبر للثورتين في الأذهان بأسئلته الكبرى ذات الأجوبة الواعدة والمبشرة، وبكسر جدار المستحيل وجدار الفولاذ حول تلك الأذهان.

 

ولم نكن وحدنا نحن العرب المعنيين بصدمة اللامتوقع حول الثورتين، بل كانت قوى الغرب كذلك، ولكن بشكل مختلف، إذ إن عصا “المعرفة قوة” التي يرفعها الغرب عالياً أمام الكل كوسيلة أساسية للسيطرة، ظهر هذه المرة أنها عصا زائفة وبلا قوة معرفية، على أقل تقدير.

 

لقد كانت مصر بالذات  هي الأهم للغرب و”إسرائيل”، وكانت هذه الأهمية لدرجة ان تكون تحت الأعين للمراقبة عن قرب، لا استخبارياً فقط،  وإنما من ناحية الدراسات التي تتعمق في المجتمع المصري بحثاً ومحاولة للمعرفة انثروبولوجياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، العديد من الباحثين المصريين كان هذا عملهم الذي يأخذون أجره من الوكالات الغربية، وكان هنالك في مصر وخارجها عشرات مراكز البحث التي اغدقت عليها الأموال لرصد حركة المجتمع التاريخية، ما دام أن الهدف الأساس هو إعاقة  هذه الحركة بأشكال السيطرة والتحكم والتدمير المجتمعي وإعادة صياغة الثقافة وتضليل العقول وتوجيهها وجهات حيث شاء مهندسو المجتمعات الإسلامية .

 

“الخبر” الذي كانت تخبئه مصر وتحضره وتحضنه بنيتها الاجتماعية في أعماق كينونتها لم يعرفوه مسبقاً ولم يتوقعوه . ولم يكن لهم أصلاً أن يعلموه ما دام أن مالك قوة المعرفة والعلم المطلق هو الله تعالى، وما دام أن  الإرادات البشرية في اجتماعها وعزمها على الفعل هي كامن معنوي لا يمكن رصده والاحاطة به بوسائل التحليل المعروفة؟

 

كان انبثاق الثورة، إذن، انعتاقاً رمزياً من السلطة والسيطرة الغربية بكل أشكالها وليس من الوكالة المعرفية أو الثقافية فحسب . لقد تبين من خلال الثورة أن التاريخ لا يمكن امتلاكه من قبل القوى الغربية وكذلك فإن المستقبل هو مفتوح للشعوب وحدها لكتابته بعيداً عن التسيير حسب المشيئة الغربية.

 

إن اسئلة “اللامتوقع” والمستحيل عن الثورة لا تتوقف عند تفجرها فحسب، فهناك اسئلة تحول المجتمع المصري وكيف تقدم هذا المجتمع الذي ألصق عليه إطار  “رعايا الفرعون المطيعون” ليصنع الثورة بتلك الطاقة؟ كيف أعاد هذا المجتمع الذي طالما استخدم مفردة “الغلابة” تعريف نفسه وكيف امتلك تلك الطاقة على الفعل الثوري؟ كيف تحولت هذه الطاقة على قهر المستحيل ثقافة جديدة مكان ثقافة سياسية كانت تبعده عن السياسة وتربطه إلى السكونية وإلى الولاء للحاكم؟ إن للثورات سرها ومنطقها الإعجازي، وإعجاز ثورة المصريين هو تحولهم أو تغيرهم الاجتماعي في مدى الثمانية عشر يوماً.

 

لقد كان هذا التحول لدى الشعب المصري هو أهم ما في ثورته من معانٍ، هذا على الرغم من أن التعريف الكلاسيكي للثورات يرى أنها تغيير جذري لبنى المجتمع وأولها بنية الحكم، لم تتغير التركيبة الحالية بعد، ولكن الثورة مع ذلك قد حدثت في تحول المجتمع المصري إلى اتجاه تاريخي جديد كلياً هو الأول بهذا الشكل طوال سبعة آلاف سنة من التاريخ.

 

أخيراً، كان الخبر الجديد في ثورة المجتمع المصري وقبله التونسي هو صحة الجسد الاجتماعي العربي رغم ما خبره وعاشه خلال عقود من الحرية ومن فساد وإفساد وتدمير ممنهج ومنظم للثقافة والقيم بوساطة الديكتاتورية. المجتمعات المنهارة أخلاقياً والمفككة اجتماعياً ليس لها القدرة على أن تنهض بفعل جماعي كالثورة. المجتمعات ذات الإيمان والرؤية الأخلاقية العليا التي تحافظ على صفائها الداخلي، وعلى جسدها الاجتماعي سليماً هي الأقوى على مواجهة الطغيان، وهي التي تمتلك الدافع الداخلي للثورة من أجل “النظافة” من الفساد بجميع أشكاله. تلك هي قوة المجتمع العربي التي أثبتتها الثورتان.

.

 


تعليقات القرّاء