الصندوق الأسود

قصة/ سلمى مطر سيف

 

ألقى علي نظرة على الباب المرشوش بألوان صارخة وقد تخللته الشمس الغاربة بأشعتها الباردة. تردد في طرقه متوجسا وخائفا من دعوة عديله له ـ غير الواضحة ـ بزيارته . وعندما هم بطرق الباب ، لاح له العديل بهيئة إنسان خارج من كهف قديم وأطلت في عينيه الشبيهتين بمحارتين مغموستين في الماء نظرة ذات مغزى مبهم .

أمسك بذراع علي بقوة ضاغطة ناثرا أنفاسه ذات الرائحة غير المستحبة ، رائحة ليست كريهة وإنما هي أشبه برائحة أعشاب قديمة متخمرة . أجلس عليا بالقرب منه ورحب به سائلا ومعاتبا ونافذا بنفس النظرة المبهمة الساخرة ([1]) .

لم يجرؤ على الكلام وبقي مثل آله تجيب الأسئلة المتسارعة من العديل ، وشعر في قرارة نفسه بأن عديله يدبر شيئا ما . اعتمت الشكوك في نفسه وتضخم الخوف .

- مضت سنوات لم نرك فيها ولم نسمع أخبارك .

       - لست جاحدا لكنه الوقت الذي يمضي سريعا .

- لا علينا . المرأة موجودة

- موجودة ! متي جاءت . من جاء بها ؟

ارتجف علي في أعماقه وارتبك في كلامه وما عاد تفكيره منتظما ولا سهلا .

- ماذا جاءت تفعل ؟ هل تزوجت؟

وقهقه علي بصعوبة وأحس بوجع شديد في صدره وبانقباض .

- لن تتزوج غيرك.

- لكنني طلقتها ولست راغبا بها ... هل تفكر هي بالعودة. إنها واهمة .

- سنتدبر الأمر معا . كم ابنا لديك ؟

- بنتان وولدان والخامس في بطن أمه

- لا استطيع .. لا .. اسمح لي بأنني عائد إلى البيت ، لدي بعض المهمات ..

أمسكه العديل من طرف ثوبه ، وجذبه ليجلس ناظرا إليه بحنان مصطنع وثمة سخرية تحت لسانه. أمره أن لا يغادر حتى يأذن له . وخرج العديل ليجلب القهوة .

بقى علي في مكانه متخشبا ومسترقا السمع وتناهت إليه حركة الجدار: رأه يتموج مثل ستارة يعصف بها طوفان بحري وأحس بها تشع بحرارتها المكبوتة واقفة خلف الجدار تنظر إليه بنفس الحياد البارد المؤلم وتشعر بارتباكه وخوفه وتردده. ها هي تدفع الجدار بقدمها الصغيرة وتضربه ضربات غير موجهة إلى أحد، كأنها تدفع فراغا لا طائل له.ها هي تحل ضفيرتيها المعطرتين، واقفة في دائرة من الظلام الشفاف، لا تتقدم ولا تتأخر، لا تمد يديها ولا تبعدهما. تلمع نظراتها بانطفاء بارد: حياد بارد.

محددة بإطار فضي يشع من ظلامها. سوف تخرق الجدار وستراها كما هي، لم تتغير: بسحنتها الخافتة الصامتة ولن تبكي أمامك ولن تتذمر. ستراها كما هي متطلعة بنفس الحياة. تريدك ولا تريدك. حزينة، ساخطة وغير ساخطة.

تحرك المكان من حول علي وانثنى الجدار مثل جيب منتفخ. أمسك على رأسه وصرخ:

هي من تفعل ذلك. أبعدوها عني ... أبعدوها عني ...

ضحك العديل ضاغطا على فخذ على ومطمئنا إياه:

ما زالت كما ولدتها أمها. لن تكون لسواك .

لا استطيع .. لا استطيع

هل أحضرها لتراها ولتراك

لا ... لا ... أرجوك. إنه هذا الموضوع .

إنه موضوعك وهو يهمني .. لماذا أنت خائف هكذا ؟

لا شئ ... لا شئ لماذا لماذا جئت إلى هنا اللعنة عليك وعليها.

قهقه العديل وتحشرج صوته ونفر صوته غاضبا بشكل مفاجئ:

لماذا تأخرت القهوة ؟

صاح علي: لا أريد قهوة .

وعندما جاءت الخادمة تحمل القهوة، هب علي مرتبك.

وإنني ذاهب. لا أريد قهوة ...

طلب العديل منه بصرامة أن يجلس ويترك عنه الوساوس والأوهام.

توتر على وفقد صوابه.

أعرف مكائدك، تريدني أن أشرب قهوتك المسمومة من أجل أن أعود إليها لا. لا .. لن أفعل ذلك. لم أعد راغبا بها .. تزوجها إن شئت وطلق أختها أو زوجها لمن تشاء .. ما عدت راغبا بها.

يا رجل لا تفقد عقلك. لن تجبر عليها. لن أجبرك على العودة إليها.

لماذا إذن طلبت حضوري بعد تلك السنوات. إنني متأكد بأنك تدبر شيئا ما، ليست أفهمه.

صب العديل القهوة وشرب لوحدة عدة فناجين وعندما انتهي صب فنجانا لعلي. أخذه علي وشربه متمهلا ومتوجسا. طلب فنجانا أخر و أخر، هدأت نفسه وتبادل حديثا وديا مع العديل حدثه فيه عن زوجته وأبنائه وعن أعماله وبعض المغامرات المسلية مع النساء وفي خضم الحديث ، غاب علي في لجة عميقة واشتعلت نيران موقدة في أحشائه وصرخ نافخا ومتألما أشد الألم:

فعلتها ... آه ... فعلتها عن ... باسم أمي .... آه .. وتلوي مثل ثعبان جريح وصرخ شاتما عديله الذي لم يغير من وضعه الهادئ .

الآن ..... أحضرها. أريد أن أراها. إنني موافق على عودتها أحضرها .. هيا قبل أن أموت .

لن تراها إلا بعد أن تتم إجراءات عودتها إليك كزوجة.

أصر علي ساخطا وذليلا على رؤيتها كان ظامئا ويائسا.

نظر العديل في عيني علي نظرة صماء.

يجب أن تفعلها هذه المرة، لا تتركها كما ولدتها أمها.

بكى علي واضعا وجهه بين كفية ونشج بإحباط قاس:

لا شك أنها مكيدة شيطانية ولا أعلم من هو فاعلها. أنت .. نعم أنت. قد تكون أنت ولا أستبعد ذلك، لكن لماذا تفعل مثل هذا الجرم الفظيع. لماذا ترغب في إذلالي ... آه لا أستطيع أن أوضح لها الأمر لا أستطيع وهي لا تفعل شيئا سوي التفرس في مثل قط بصمت بصمت مميت. اللعنة عليك وعليها.

لا مجال الآن لمثل هذه السخافات .. عد إلى بيتك وغدا تعال مع لوازمها. خذها إليك .... وخلصني من مشاكلكما.

كفكف علي دموعه، وطلب راجيا رجاء حارا أن يسمح له بلقائها لبعض الوقت لكن العديل قام مثل شيطان كاسر وصرخ في وجه علي:

لا وقت لدي أضيعه معك .. عد إلى بيتك

التهب جوف علي وتقيأ سائلا حارقا وانتفخ أنفه وشفتاه وجحظت عيناه.

نظرة يتيمة لن تأخذ من وقتك الثمين شيئا يذكر، فقط أريد أن أرى وجهها وأسألها إن كانت تريدني أم لا ...

دعها وشأنها الآن وهي لن تجيبك على شئ، إنني ولي أمرها وهي لا تقوم بشئ إلا بمشورتي.

ثم غمز ضاحكا :

في الليل لا تبقى لوحدها، تنام بيني وبين أختها. ها .... ما زالت كما ولدتها أمها.

حسنا .. إنني ذاهب، غدا سأحضر كل لوازمها.

شعر على بأنه غير قادر على المشي، أسند ظهره إلى الجدار ودارت الأشياء والصور من حول. ترك جسده طيعا لكائنات تسحبه بلطف مخدر وطيرته في فضاءات سهلة سالكة. وجد أمه وزوجته وأبناءه متحلقين حوله ينظرون بعيون فارغة وجزعة تمتم علي ببعض الكلمات غير المفهومة ثم تقيأ سائلا أخضر زلاليا وانقطع نفسه.

سحره .. سيموت .. صبوا عليه ماء باردا. إنه مسموم.

كان علي متمددا تحت أضواء القمر والنجوم المرتعشة في برية صامتة. شجرها لا يتحرك ولا أصوات تتردد، يلهث مثل كلب مخنوق وحوله بركة من الماء المضطرب وأمه تتردد مثل طيف لا أرض له، تجلب الماء من بئر طاعن وتقاوم في طريقها أعشاش العنكبوت والبوم المحملق بين الصان الجرداء، ترش عليا بالماء ثم تعطية ثديها ثم تخاطب بذلة طيفا ناريا تستعطفه وهي مستندة على ركبتها.

بكى علي :

أريدها يأمي. عادت من أجلى .. إنني مراهن على أنها لن تتزوج بعدي أريدها، لقد منعني زوج أختها من رؤيتها سأموت بدونها .. انقذيني يأمي ..

زفر زفرة حارة.

لن يجدي كل ما تفعلينه يأمي .. أريدها النار إنها تنام بين أختها وبينه لا لن أدعها تنام بينهما .. لن أخذلها أتركيني .

تقلب على ذات اليمين وذات الشمال وأقبلت سحابة بيضاء اقتربت من رأسه وانشقت نصفين، برز من الشق المفتوح وجهها الذي لتعتبر به .. ها هي نائمة بالقرب منك ، تبدو ودودة ورقيقة وبعيدة، يدك لا تصل إليها وكلما حاولت أن تلاصقها تغدو مسخا ويتسع الأخدود بينكما وتحس أنك مقيد وكاره لها ولنفسك ولا تتوقف عن البصاق على صورتك في المرأة المشروخة .

مسحور ! مسحور !

رأيتها في القرية النائية، أثارت نفسك وأحسست أنك راغب فيها رغبة حارة. ولم يمض وقت قليل حتى زوجك إياها.

استأجرت لها غرفة صغيرة مع فناء واسع، ترابه أبيض مثل الفضة وأبقيتها فيها. حدثتها عن نفسك وحدثتك هي القليل. وعندما أخذتها إلى الفراش لم تمانع .. ولم تستطع أن تقل اي شئ .. مضت أيام وسنوات، كنت تراها تكبر وثم هالات سوداء تحيط عينيها ولم تكن تتذمر أو تبكي. حياد بارد في وجهها. تراها صامتة وهي جالسة على حافة السرير تنظر إلى الرذاذ الضوئي وتسترق السمع للأصوات القادمة والذاهبة وعيناها بهما لغة غير مصرحة بأي شئ لا تقترب منك ولا تبتعد تنظر إليك بلا أدني مؤشر ثم تتحول نظراتها إلى أشياء الغرفة تتمعن فيها وتسمعها تعد الأشياء بصمت مسموع سرعان ما يعلو صوتها وعندما تنتبه إلى نفسها تبتسم بخجل وتترك مكانها تنظر إلى أشيائها الحميمة وتقلب رأسها فيها وتنظر إلى نفسها في المرآة وتمشط شعرها وتخلع ملابسها وتنظر إليها، ثم تستبدل ثوبا آخر وتعود لتجلس على حافة السرير وتحرك قدميها كأنها على طرف البحر. وقد تستلقي جانبك وتبقي ساهمة في السقف. كنت تفاجئها بزياراتك غير المصرح عنها لكي تراقبها.

لم تكن تخرج من البيت وفي إحدى المرات استغربت من حشد الدجاج والحمام والكلاب والقطط وهي تتردد بين أقفاصها تطعمها وتهدهدها.

شاهدتها في أحد الأيام جالسة في حضن التراب تفلي حمامة صغيرة ثم تسقيها من فمها ماءا وعندما رأتك أخجلت وعادت وعادت نظرتها البادرة تقيسك.

عرفت أنها لم تتعرف إلى أحد سوى أختها التي تزورها بين أوقات متباعدة كانت تأكل لوحدها وتنام لوحدها، وتفكر لوحدها وتمشي لوحدها، وحيدة .. وحيدة مرة كتبت لك رسالة رقيقة تود منها زيارة قريتها. أخذتها إليها كانت صامتة وعندما غادرت قريتها، حملت أشيائها معها مع ماعز صغيرة وقفص به طيور بحرية. لم تستطع أن تفعل أي شئ من أجلها. وكنت تغيب عنها شهورا وعندما تعود إليها تجدها كما هي، لا أحد معها سوي دجاجها و قططها وحمامها والتراب الذي تكنسه بآثار قدميها الصغيرتين.

في الطريق كانت جامدة، لا تتحدث ولا تنظر إليك ووجها لا يوجد به أي سخط أو امتعاض أو عبوس: حياد بارد .. كانت أنحف من السابق وبراءة تظهر في حركات يديها وهي معلقة نظرها في النافذة المتحركة.

سأضع حدا للأمر .. سأطلقها!

دفعتها إلى العديل حالما وصلت مع حقائبها ودجاجها وقططها وهيئتها المبعثرة مع ضعف ظهر لأول مرة على وجهها النحيف الشارد ..

أنها تشكل عبئا علي، عندي زوجة تكفيني ، لقد أخطأت بالزواج من هذه زوجها لمن تشاء. سأرسل ورقة طلاقها.

نسيت وعيدك سنوات أخرى ، إلى أن جاءتك رسالة من قريتها طالبة إنهاء إجراءات الطلاق. تذكرتها وأنت في أوج حماس غامض وطلقتها أمام شاهدين.

عليها اللعنة، لتتزوج من تشاء، لا أريدها ليتها تجعله يحبها عليها اللعنة كيف نسيتها طوال تلك السنوات.

تذكرها علي وهو ممدد وحن قلبه إليها حنيناً مؤلماً وجاش قلبه بحبها وكانت رغبة قوية تعمل في نفسه لها، اشتعلت النار في أحشائه رجا أمه:

اذهبي إليها وهاتيها. إنني لم أكتشف إلا الآن حبي لها لا أريد من هذه الدنيا إلا تلك المرأة العذراء الصامتة.

وانقلبت معدة علي متقيئاً: سأموت بدونها .. أحضروها لتنام بقربي .. أنتم قساء وبلا قلوب، لماذا تحرموني منها .. إنها تنام بينه وبين أختها .. هاتوها لأضمها إلى صدري وأداعب شعرها .. كلكم قساه ..

وبحنكة وتدبير قربت الأم إحدى الحفيدات الصغيرات ونزعت سروالها وهدهدتها لتبول في الإناء الذي بيدها. مزجت القليل من البول مع القهوة وهي تحادث الطيف الناري ودفعتها إلى فم علي وعندما انتهت من مهمتها، صاحت مستبشرة:

بول العذراء سيزيل سحرها .. المجرمة.

خلد علي إلى النوم كان هادئاً ومنتظم الأنفاس.

نهض نشيطاً ومعافى.

طرق الباب على عديله قائلاً بثقة وحبور:

جئت لأخبرك بأنني لا أريدها ودعها تنام بينكما. وإنني مراهن على أنها لن تتزوج بعدي .. لا أريدها.

ولم يدع للعديل فرصة أن يجيبه، حيث ولى ظهره عائداً إلى أهله وهو منتش.



([1]) الصندوق الأسود : قصة سلمى مطر سيف، نقلاً عن مجلة الزهراء، مكتبة اليقظة العربية، يونيو 1995

 

 

 


تعليقك