اليُتم العربي وقضية التبني

انفعل الليبي وقال انا لست عربيا.. انا امازيغي


مهرة سالم القاسمي

القدس العربي 19-01-2011

 

لقد ودعنا عام 2010 بأيام تفاقمت فيها المآسي، وازداد الجرح العربي عمقا، فالدم الذي أريق في كنائس الوطن العربي في العراق والاسكندرية، لا يمكن إلا أن يضاف إلى غيره من دماء أبناء هذه الأمة، وبذلك يمكن أن ننظر إلى حجم تدفق هذا الدم في هذا الوطن، كمؤشر إلى خطر التفتت والتشظي وكلها تسير على وتيرة متسارعة، كما في السودان والعراق والبقية تأتي، وكل ذلك تقف وراءه قوى الشرالخارجية والعمالة الداخلية، وخنوع واستبداد بعض حكام العرب، يضاف إليه سيادة الجهل وانعدام أو تضليل الوعي في كل ما يمت لقضايا هذه الأمة بصلة.
على أي حال، ها هو العام الجديد 2011، ووسط العواصف المتأججة، يطل علينا بوجهه المشرق، ويمكننا القول حقا انه 'تحت الرماد الساكن نار متأججة'، فها هو الشعب التونسي البطل ينتفض ليخلق بارقة أمل للشعب العربي المحبط، الذي ظن الكثيرون أنه منكفئ على نفسه، ليضيء النفق المظلم ويكنس غبار الذل والهوان. وما زالت الأيام حبلى بالمفاجآت، ولعل مثل هذه الاحداث تشكل إيذانا للخروج نهائيا من النفق إلى أفق واسع مضيء.
وما بين الألم الذي يعتصر قلوبنا والأمل الذي نرنو إليه، يجدر بنا نحن العرب، أن نلقي الضوء على بعض أحداث منيرة شهدتها محطات تاريخنا العربي، ونقارنها بأحداث مظلمة ما زلنا نعيشها، لنرى كيف كنا وكيف أصبحنا. وبدون أن أتقيد بالتسلسل التاريخي لذكرالأحداث التي شهدتها وأخرى قرأت عنها، سأختار بعض المواقف منها، وكيف جاءت متناقضة بين ما كانت عليه في الماضي وما آلت إليه في الحاضر، وعلى القارئ أن يستنتج الأسباب التي تقف وراءها. إلا أنني أفضل أن أبدأ بأحدث الأحداث وما يتعلق منها بمشكلة الشحن الطائفي التي يراد لها أن تسود منطقتنا، وخير مثال لذلك قتل المسيحيين العرب في كنائسهم، كما ذكرت أعلاه، من كان وراء هذه الجرائم الشنعاء؟ أو كيف غرر بمرتكبيها؟ وبينما هذه الحقائق مازالت عالقة في ذاكرة الناس لحداثتها، إلا أن ما لا يعرفه الكثيرون، هو ما حدث يوم أن تعرضت مصر بزعامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى العدوان الثلاثي (فرنسا وبريطانيا والكيان الصهيوني) عام 1956، وأطلق هذا الزعيم صرخته المدوية 'سنقاتل سنقاتل ســــنقاتل'، فألهـــــب بذلك حماس الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، وكان موقف الشهــــيد جــول جمال العربي السوري المسيحي، تجسيدا رائعا لهذا الحماس، فعبر عن حبه لوطنه العربي وولائه لأمته، بتقديم روحه الطاهرة فداء لها.
ففي ليلة 14 تشرين الثاني/نوفمبرعام 1956 جاء لعلمه ورفاقه أن المدمرة الفرنسية العملاقة، جان دارك، تقترب من السواحل المصرية، لتدمر ما تبقى من مدينة بورسعيد، بعد العدوان الآثم عليها، فوضع خطة لمنعها من الوصول وقام مع زملاء له من الكلية الحربية في مصر بملء طوربيدهم بالمتفجرات واندفعوا مسرعين للاصطدام بها، فغرقت تلك البارجة المعتدية وجنب الله بذلك مزيدا من المآسي لهذه المدينة العربية الباسلة، ولقي جول جمال ربه مع رفاقه، ضاربين أروع المثل في البطولة والفداء.
فعندما يكون القائد هو المثل الأعلى، هكذا يكون انتماء ابناء الوطن، وهكذا تكون التضحية. فماذا يحدث لنا اليوم، وفي نفس الوقت؟ وإلى إي جهة تصوب بوصلة فئات من العرب، مسلمين ومسيحيين؟ وأين هم الآن عما كانوا عليه منذ عقود قليلة، ولماذا؟
وأنتقل بكم إلى محطة أخرى، لأنقل لكم من الماضي مثالا لكبرياء الإنسان العربي وتصميمه على اكتساب حقوقه، ومثالا آخر، لزمن تبعه أهدرت فيه الكرامة وضاعت المكاسب.
ومن الزمن الماضي اختار تاريخ الثامن والعشرين من شهر نيسان/أبريل لعام 1960، الذي يشكل احدى المحطات التاريخية للتحيز الغربي ضد العرب، وكيفية ردود الفعل العربي عليه. ففي هذا اليوم قرر اتحاد عمال ميناء نيويورك مقاطعة الباخرة المصرية (كليوباترا) حيث امتنعوا عن تفريغ حمولتها وتزويدها بالوقود والمؤن، وكان شرطهم لإنهاء هذه المقاطعة هو أن تعلن الحكومة المصرية أولا عن استعدادها للسماح بعبور السفن الاسرائيلية في قناة السويس وعدم مصادرة منتوجاتها، وقد اتخذت مصر هذا الموقف تعبيرا عن الرفض القاطع بالاعتراف باسرائيل، وكان قرارها حينئذ ينص على أنه اذا مرت هذه السفن بالقناة فسيتم تحويل قيمتها ومنتجاتها إلى الشعب الفلسطيني، الذي سلبت إسرائيل أرضه وصادرت حريته. وكان الرد على قرار اتحاد عمال نيويورك أن توحدت مواقف عمال العرب وقابلوا القرار بالمثل، فنفذوا مقاطعتهم ضد الصادرات الأمريكية في كافة الموانئ والمطارات العربية لمدة سبعة أيام، إلى أن رضخت أمريكا وأوعزت للعمال في ميناء نيويورك بتفريغ حمولة السفينة المصرية وتقديم كل ما يلزمها، وعادت السفينة إلى الوطن مرفوعة الرأس.
وما ذلك إلا نتيجة لقرار الزعيم العربي جمال عبد الناصر، الخالد في وجدان أمته، واستقواء أمته، بعد الخالق عز وجل، به واستقوائه بها.
هكذا كنا وكيف أصبحنا؟
وبعكس ما كنا عليه، نجد معظم حكامنا العرب اليوم، يتواطأون مع العدو ويشاركونه الحرب والحصار، وإذا ما احتج 'المواطن' على هذا التواطؤ زج به في السجن، وقلما يجد العربي داخل الوطن من يعقد الآمال عليه، بينما ينظر بامتنان إلى زعيم هنا أو زعيم هناك يقف مع القضايا العربية ماديا ومعنويا ويدافع عنها، متغاضيا عن كل التهديدات ومضحيا بكل المصالح التي تطرح أمامه للمساومة على ترك القضية لأهلها، أملا منهم أن تندثر أو تتناسى.
وأكثر من ذلك، حركت قضايانا الرأي العالمي الحر، حيث أعلنت مجموعة من الناشطين الأوروبيين مقاطعة المنتوجات المصرية والسياحة إليها. لماذا؟ لأن مصر تساهم مع اسرائيل في تجويع ما يقرب من المليون ونصف المليون من الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة، وتبني جدارا من الفولاذ على طول حدود غزة، في الوقت الذي ترفض فيه فتح معبر رفح، وهو بمثابة شريان الحياة الوحيد لأهلنا المحاصرين ظلما.
ما هي المبررات لهذه الجرائم النكراء من ذوي الرحم؟ وكيف يمكن أن ينظر الآخرون إلينا كعرب؟
منذ ثلاثين عاما تقريبا، أخبرني شاب سنغالي جاء إلى القاهرة للدراسة في جامعة القاهرة، بأنه يريد أن يعرفنا الى زوجته الذي كان قد تزوجها حديثا، وكان هذا الشاب صديقا لقريب لي يدرس أيضا في جامعة القاهرة. قبل معرفتي بزوجته كان دائم التردد إلى منزلنا، وكنا نسعد بما نسمعه عنه من حب كبير يكنه كثير من السنغاليين للعرب، وحجتهم في ذلك أن نبي الإسلام عربي، وحكى لنا كيف أن أهله وذويه في بلده السنغال ينظرون له بافتخار وتبجيل، لا لشيء إلا لأنه يتكلم اللغة العربية ويدرس في بلد عربي. زوجته أيضا كانت لها قصة، أخبرتنا بأن والدها، قبل التحاقها وأخيها بالمدرسة، سألهما عن أي لغة يفضلان أن تكون الدراسة بها، فاختار أخوها أن تكون الدراسة باللغة الفرنسية، بينما اختارت هي أن تتلقى تعليمها باللغة العربية فبارك لها والدها، وأهداها بقرة مكافأة لحسن اختيارها كما يراه.
في صيف عام 2003، القصة تختلف تماما. كنت بمعية بعض الأصدقاء والصديقات من مصر والعراق مدعوين لتناول الغداء في أحد الفنادق بالقاهرة، فمر علينا رجل من ليبيا وكان صديقا للمضيف، فأراد أن يعرفنا عليه، فقال هذا فلان أخ عربي لنا من ليبيا، فرد الليبي فورا وبحدة 'أنا لست عربيا' وعرف نفسه بأنه أمازيغي.
ما الذي حدث حتى تتبدل المشاعر إلى هذه الدرجة؟ لماذا أصبحت صفة العربي مسبة؟ هل السبب هو غياب الوعي أو تضليله؟
بينما كنت أقرأ جريدة الصباح، وقعت عينا إحدى حفيداتي البالغة من العمر ثماني سنوات، على عبارة 'جمهورية مصر العربية' فسألتني صغيرتي: هل المصريون عرب؟
سؤالها هذا أعادني، أنا التي في العقد السابع من العمر، إلى الوراء، حيث كنت في مثل عمرها تقريبا، وقتها كنا نردد يوميا الأغاني التي نسمعها في الاذاعة 'كلنا جميلة كلنا فداها'، أما الأ ناشيد التي كانت تقرر في مدارسنا كان منها: 'دع سمائي فسمائي محرقة دع مياهي فمياهي مغرقة'. هكذا أراد لنا القائد الفذ أن نكون. فكان اعتزازنا قويا بعروبتنا، ووعينا عاليا تجاه هويتنا.
الآن، بينما نرى ونسمع أن هناك خلافات مشينة بين الأشقاء الذين كانوا منذ عقود يشتركون في معركة التحرر والبطولة، أصبح كل منهم يتبادل حرق أعلام بلد الآخر، في (معارك كرة القدم). أبناء بلد المليون شهيد وأبناء أرض الكنانة، بعد أن كانوا يتغنى كل منهم بمجدهم المشترك، الكفاح المسلح ضد الاستعمار والتبعية، أصبحوا الآن أعداء يشمت بهم عدوهم المشترك.
في الخامس عشر من يناير، ذكرى ميلاد الزعيم الخالد الذكر جمال عبد الناصر، لا يفوتني الا أن أرفع يديّ لله سبحانه وتعالى بالدعاء أن يجعل روحه الطاهرة في أعلى العليين، وأقول كم نحن نفتقدك أيها الأب الراحل عن دنيانا، الباقي في وجداننا، فسلام عليك يوم ولدت ويوم توفاك الله ويوم يبعثك حيا.


تعليقات القرّاء