الثور الثمين

قصة قصيرة للسفير الاستاذ محمد شكر

لم يكن آدم يلقي بالا ً لما يحدث من انتحار .... فقد انتشرت في مدينة الثور شائعات عن انتحار العديد من الأزواج .. كان آدم إنسانا ً بسيطا ً, صبورا ً , قانعا ً , هادئ الأعصاب وكثيرا ً ما كان يكظم غيظه ويصمت في وجه أي مشادة كلامية قبل أن تتحول المشادة الى عاصفة لا تهدأ.  لكن زوجته حواء لا تصمت إلا على مضض, وإن صمتت فهي غالبا ً ما كانت تنظر بفارغ  الصبر حدوث أي هفوة حتى تثور ثائرتها وتدفع آدم إلى الدخول في مشادة أخرى لا تنتهي إلا عندما تعجز حواء ويلجأ الاثنان إلى الصمت.

وخلال فترة الصمت يصل آدم إلى اليأس والقنوط ويفكر بالانتحار .....فكلما فكر في موقف حواء انفجر باكيا ً ويحس بدموع ساخنة تبلل وجنتيه.

فقد ابتلاه الله بزوجة مغرورة, متعجرفة, تحيـا  ثورة غضب عارم, يتفجر لأتفه الأسباب ... فهي تصرخ في وجهه وتجهر له بسوء القول ولا تعترف له بأي سلطة ولا تطيعه ولا تستمع إلى شكواه, بل تقاطع كلامه وتزيد آلامه ولا تستسلم أبداً لمتطلبات الحياة الزوجية الهانئة.

 وأمام تمرد حواء وعصيانها وامتداد لسانها,  تعوذ آدم من الإمارة بالسوء وهواجسها ومن وسوسات الشيطان الرجيم ويمارس ضبط النفس ...ويأخذ نفسا ً عميقا ً لعله يعيد له الهدوء والسكينة ...... لكن هيهات ... فالسكينة تتحول إلى حسرات وتجعله يسب ذلك اليوم الذي التأم فيه رأسيهما.

 وذات يوم, ثارت ثائرة  حواء وحصلت مشادة كلامية كادت أن تعصف بالحياة الزوجية.

قال آدم بغضب مكتوم : اضبطي انفعالاتك وصوني لسانك.

اهتزت مشاعر حواء وتسعرت في جوفها نار, رفع آدم سبابته في وجهها قائلا ً : طول عمرك لغاية وتخالفي كلامي حبا ً في المخالفة ليس إلا.

اشتد الخلاف بينهما, فتراشقا بالكلمات ثم تراكلا بالكلمات وتشابكت أيديهما وترافسا بالأرجل  وتحول منزلهما إلى حلبة صراع, ومع ارتفاع حدة الصراع تتحول حياتها إلى جحيم لا يطاق, وفي كل مرة يكاد آدم أن يلوذ بالفرار تجنبا ً لأجواء التوتر, تدور في رأسه الأفكار وتتضاءل لديه قيمة الحياة, ويبدأ يحدث نفسه مرة أخرى عن الانتحار, لكنه يتراجع قائلا ً : لماذا أموت منفردا ً ؟ فإذا كان ثمة بد من الموت, فليكن علي وعلى أعدائي وما أن تهدأ أعصابه حتى يعدل عن هذه الفكرة ويقول : الخير فيما اختاره الله.

 وذات يوم أبدى رغبته في شراء بقرة حلوب ظنا ً منه أن ذلك سيدر عليه خيرا ً كثيرا ً ويعفيه من شراء الحليب والزبدة.

 وما كاد ينهي كلامه حتى صرخت في وجهه : كلا ... كلا ..لا أريد بقرتين في هذا المنزل ... وأخذت ترغي وتزيد : ولا نريد حليبا ً أو زبدة .....بل نريد ثور ذو قرنين حادين ....واستعجلت بعلها أن يشتري لها ثورا ً .

قال آدم : دعينا نشتري بقرة أو حتى في أضعف الإيمان عجلا ً , لكن حواء التي اعتادت أن تسلب آدم إرادته ..... أجهضت الفكرة وأصرت على رأيها قائلة : هيا أسرع .... اشتري لي ثورا ً أفاخر به الأبقار  ...فأنا صاحبة الشور في شراء الثور.

 وما إن انتهت من إملاء أوامرها حتى خرج الزوج المسكين متوجها ًإلى سوق البقر,  و بينما هو يتجول في زرائب الثيران وقعت عيناه على ثور شرس , كان الثور يتربص بالوتد الذي يقيد حريته ويزوم بين الفينة والأخرى على الحبل الذي يشده إلى الوتد بغية قطعه ...تقطعت سلسلة أفكار آدم وشطحت وحامت حول طغيان حواء وشراستها .

صاح قائلا ً : وجدته ... هذا الثور مخلوق غضوب , يهيج بسرعة ... كما هو حال حواء, فكم كنت أتمنى أن لا تكون حواء غاضبة خاصة عندما أعود إلى المنزل, فكلما عاد إلى المنزل يراها واقفة عند الباب الخارجي وهي متجهمة الوجه. وعندما تصرخ في وجهه يرتعد جسده وتنساب في عروقه هرمونات الأدرينالين وكثيراً مايفقد توازنه وترتطم قدماه بعتبة الباب وبسقط مغشيا ً.

استفاق من غشاوته وخطى خطوتان باتجاه الثور .... ولم يكد يخطو خطوته الثالثة حتى ارتد الثور بقرنيه الحادتين وكاد أن يغرسهما في صدره لو لا عناية الله ولطفه اللتان دفعتاه بعيدا ً عن الثور فولى هاربا مذعورا ً .

التفت إلى الثور قائلا ً : حواء أشرس من هذا الثور ..... نعم لماذا أحكم على نفسي بأن أعيش ما تبقى من حياتي مع ثور هائج, فالأجدر بحواء أن تعيش مع هذا الثور حتى تقضي نحبها, ففي عالم الثيران قد ينطح الثور ثور آخر وقد ينطح أيضا ً إنسانا ً .

تقدم آدم واشترى الثور, ثم أقفل عائدا ً إلى منزله .... رأى حواء واقفة عند الباب متجهمة الوجه, صاح في وجهها : هذا ثور عدواني, وإياك أن تقتربي منه. قالت : هذا الثور ثوري وسأقترب منه.

 كيف لا تقترب من الثور وهي التي تتسم بحب التملك والسيطرة .... اقتربت من الثور وهي تفكر كيف لها أن تسيطر عليه.

قال آدم : ابتعدي عن الثور واجلسي في غرفتك وإغلقي بابك خلفك ....صحيح إن الثور حيوان أليف لكن علينا التبصر فيما يجب فعله.

لكن حواء وإمعانا ً في هذا العناد .... اقتربت من الثور وصفعته على وجهه.

قال آدم : لماذا صفعتي الثور ؟

قالت : لأنه نفخ في وجهي, واطلب منك أن لا تنفخ في وجهي حتى لا أصفعك أنت.

قال آدم : أنصحك أن تبتعدي عن الثور .... فهذا ثور شرس ومن يقترب منه قد يخسر حياته.

احتدم الجدال بينهما ... فكلما طلب  منها الابتعاد عن الثور اقتربت منه .... ولم تنصاع لنصيحة آدم , بل لم تضيع كثيرا ً من الوقت حتى إنذلقت من الباب ومزقت ثوبها الأحمر وجرت مسرعة باتجاه الثور وهي تصرخ: انطحني ... انطحني.

حاول آدم ثنيها لكنها دفعته عن طريقها واندفعت بسرعة جنونية حتى اقتربت من الثور, وقفت أمامه وجها ً لوجه ....نظر الثور إلى وجهها ونفخ فيه ثم رجع إلى الوراء بضع خطوات ووقف على قائمتيه الخلفيــتين وتمتح حتى تقوس ظهره ونفخ نفخة قوية .....أدركت حواء خطورة الموقف .... وفي اللحظات الأخيرة حاولت الهرب من وجه الثور, لكنها تخبطت وتعثرت خطواتها ووقعت على الأرض ...وما هي إلا برهة أصدر فيها الثور صوتاً رعديا ً مدويا ً وانقض على فريسته غارسا ً قرنيه في صدرها.

انفجرت من صدرها نافورة حمراء .... احمر وجه آدم لأنه لم يفعل شيئا ً للحيلولة دون وصول الثور إلى حواء, لكنه أبدى شيئا ً من الأسف على ما حدث ثم ما لبث أن أعلن الحداد سبعة أيام , وقبل أن يعرب عن حزنه العميق ....تنهد وصاح قائلا ً : كانت رحمها الله كابوسا ً مروعا ً يـجثم على صدري ويكتم أنفاسي .... وها هو الكابوس قد تبدد وتلاشى.

تفشى الخبر في أرجاء المدينة , ومع بزوغ الشمس التمح  آدم طابوراً طويلا ً من آلاف الرجال يتجه إلى باب منزله ...ظن بداية إنما هؤلاء الرجال جاءوا لتقديم التعازي والمواساة في موت حواء ..... ويا لدهشته ...فقد سمع الجمع الحاشد يهتف قائلا ً : بالروح والمال نشتريك يا ثور ..... وأخذ الرجال يتنافسون في دفع أغلى الأثمان.

 

 


تعليقك

الفكرة طريفة فيها إبراز لسوء طباع بعض النسوة وضعف كثير من الرجال غير القادرين على فرض شخصيّاتهم في بيوتهم.

حبيبة موحة

habibamouha@gmail.com