دمعة قاضي مديون

 

 

     قصة: الأستاذ السفير محمد شكر

 

في ظهيرة يوم قائظ، وعلى أثر انقطاع تيار الكهرباء، غادر مسحوت منزل والده، وهو لا يزال طفلاً صغيرا، ولم ينسى مسحوت تأثير ذلك اليوم في حياته حيث ظل يهذي بما فعل البنك حتى أصبح يافعاً.

 

ظل مسحوت يردد قبل أن يهم بالخروج من منزله المستأجر: فو الذي إستخرجني بالشيمة....لقد أمسيت بلا قيمة..... لا أملك بيتاً ولا خيمة، الكل له بيت، حتى النملة لها ثقب في الأرض، إلا إياي..... ما أقسى البنوك، تقرضك في أوقات الرخاء، وتغريك لشراء بيت، لكنها لا تأبه بك عندما لا تفي بالسداد.

 

كان مسحوت مديناً لأحد البنوك، وما أن حان موعد السداد حتى انسدت في وجهه كل الأبواب إلا باب المحكمة.

 

وذات يوم وبينما كان يتجول في أرجاء البلدة، قاده الطريق إلى المحكمة، وغدا وجها لوجه مع محامي البنك. انتابه فزع شديد، واشتعلت في قلبه نار، وأخذ يتساءل: أين المفر منك، يا من جعلتني في ضياعة، بين نار ومجاعة.....ماذا أفعل، لو إني عجزت عن إقناعك بتأجيل موعد السداد؟ وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة،  سدد المحامي كلماته الجارحة: ليش أنت دوم حامي ؟

 

قرأ مسحوت السؤال في وجه المحامي ورد قائلاً: أنا حافي القدمين وأعود دائما بخفي حنين.

 

كان مسحوت شاباً في مقتبل العمر, عاطلا ً عن العمل، لا يملك سوى دشداشة قديمة وغترة بالية ونعال زنوبة، وكان يقطن مع أفراد أسرته في بيت مستأجر، ولم يكن هذا البيت سوى غرفة واحدة ومجلس صغير، وكثيراً ما اعتاد مسحوت أن يدير وجهه شطر الحائط كلما أرادت والدته أو بناتها أن يغيرن ملابسهن..... وها هو الآن يدير ظهره للبنوك،  ويلتمس الأعذار للتهرب من تسديد دينه.

 

فالدين كان كابوسا ً ثقيلاً على مسحوت.... أوقعه في حالة اضطراب، تطور إلى مرض وسواسي خطير، يدفعه إلى تجنب الاحتكاك بالناس، خاصة فئة المحامين، راح مسحوت يبرر سبب تأخره في دفع الأقساط المتبقية، ويؤكد للمحامي نيته في التسديد، لكن المحامي سدد كلماته النافذة إلى قلب مسحوت قائلاً: إن في السجون متسعاً لكل مديون، والبنوك حينما تقرض تحيل أموال الناس إلى الانقراض، فهي لا تعرف الرحمة ولا الشفقة، وعليك سداد دينك قبل فوات الأوان، وإلا فالعواقب وخيمة.

 

وتعود قصة مسحوت مع البنك إلى ماضــي سحـيق، فوالده الذي اقترض مالاً لبناء منـــزل للعائــلة، ولم يدر في خلده إن البنوك إذا ما أقرضت، تقرض الجيوب قرضاً، وتفرض أسعار الفوائد فرضا ً، وترفعها بما لا يعود للمقروض بأي فائدة، فمال المقروض ينقرض، ومال البنك يتضخم ويغدو أضخم من قوارض ما قبل التاريخ.

 

ومنذ نعومة أظفاره، ينتاب مسحوت الغضب، ويود لو ينشب أظافره في أعناق البنــوك مثلما انشبت أظافرها في عنق والده وتسببت في وفاته قهراً وكمداً.

 

  وعلى المدى يتذكر مسحوت منذ أن كان صبياً صغيراً كيف اقتيد والده إلى السجن بسبب تراكم مديونيتــه وأرغم وهو صغير على حمل ملابسه ومقتنياته المتواضعة على مغادرة منزل والده وها هو الآن يعيش في منزل مستأجر ويعاني الفاقـة والبؤس والحرمان أسوة بأقرانه من فقراء القوم.... فهو مديون وعاطل عن العمل، وأمه تحثه على قبول أي وظيفة، وتلومه وتعاقبه على حالة البؤس التي تعاني منها أسرته.

 

 

كره مسحوت نفسه، وشعر بمرارة الهم والغم تحاصرانه من كل صوب، فصوب تساؤلاته بحرقة: لماذا الاستدانة في بلد الخير؟

 

أين الإعانة؟ لماذا يلجأ الناس إلى آثام السحت والربا؟

 

رد عليه المحامي: لو لا الاســتدانة لما نمـا الإقطاع، لا أطــلت علينا الرأسـمالية برؤوس الضباع....وإذا لم ترد أن تقترض فانقرض واذهب للعيش في الكهوف.

 

 

تساءل مسحوت: أفي هذا البلد شيء من الوفاء لأهل البلد!

 

أين آمالنا؟ أين وصلت أحلامنا؟ أين السيولة ومكتسبات التنمية؟

 

لماذا التعمية؟ لماذا تقرع طبول الإعلام والبلد لا يزال يغط في المنام؟

 

لماذا أسواق المال؟ لماذا تدفق العمال؟ لماذا فقدان الأمل وانعدام فرص العمل؟

 

قهقـه المحامي هازئاً وقال: السوق حرة، والاستدانة مرة، قروض البنوك جمرة...... وإذا ما أفلس الناس فالعوض حسرة.

 

فاحت من فــــم المـــحامي كلمات التهديد ونزوات الوعد والوعيد وتنــامت لديه رغبة في التصعيد..... فممثل البنوك فظ غليظ، لا يفتر لحظة، ولا تعــــوزه كلمة ولا لفظة، يدافع عن الآفات، بعيدا ً عن الرحمة والمخافات، ولا يجيد التفاهم وغالباً مايلجأ إلى الإثم والانتقام .

 

قال مسحوت : الله ينتقم من البنوك التي تجمعنا من غير مرحبا، وتحل علينا أكل السحت والربا.

 

رد المحامي بعد أن بدت عليه مظاهر الشر قائلا: عليك تسديد الدين قبل فوات الأوان، ولا تهمل  يا إنسان، فالبنوك تدين ولا تدان، وخذ هذا الإنذار الأخير.

 

 صمت مسحوت برهة,  واسر في نفسه قائلا ً:  البنوك شريرة خوانة، لا تعرف النزاهة ولا الأمانة، ومحاموها لئام، يلجئون إلى الإثم والانتقام، وإذا ما أصاب البنوك ما أصابها، فهي لا تعيد الأموال إلى أصحابها..... أما إذا ما المرء أفلس, فمصيره سجن ومس.

 

تسعرت لديه كوامن الغضب وتوهجت في نفسه كرات من اللهيب، فكره نفسه ووسوس له الشيطان حتى مسه الجنون فخرج من حالة السكون، فأثار ذلك في خاطره أمراً خطيرا ً، بل أمورا ً كان يرى ضرورة تنفيذها.... وجد نفسه عاجزاً عن إنجاز ما يعتمل في رأسه.

 

تملكتـه فكرة شريرة، ما برحت تراوده عن نفسها... تأتي تارة وتبتعد تارة أخرى، وكلما تجهم وجه المحامي، تبلورت الفكرة في مخيلته وغدت قابلة للتنفيذ..... لكنه يتراجع عندما يدرك ضراوة الحدث الذي سينتج عن تنفيذ الفكرة، شعر بحالة من التقيؤ والاشمئزاز، وغلب عليه الندم وأحس بجفاف في فمه، فهرب من المحامي.... ولما بلغ أول مقهى في طريقه، جلــس في ركن مظلم وأخذ يحتسي كؤوسا ً من الشاي علها تطفأ ذلك الظمأ وتخمد اللهب في رأسه.

 

وبينما هو جالس، التقى صديقه القديم...... كان عنتر قد تــــقاعد لتوه من وظــــيفة حكومية مرمــوقة، فشعر بالفراغ يداهمه من كل صوب، فأدمن ارتياد المقاهي ولعب الورق.... بادر عنتر قائلا ً: التــقاعد مبكرا ً جعلني عبدا ً لإدمان لعب الورق وحتى القمار، فبخسارة وظــــيفتي، انحســــر مدخولي، وانفصلت عن زوجــتي، لــم اعد قادرا ً على تحمل أعبـــاء الحياة.... فأنا أزدري نفسي لأني لا زلت شابا ً قادرا ً على العطاء والعمل.

 

أدرك الاثنان بأنهما كانا ضحية مجتمع وإنهما قد فقدا صلات المودة والعطف اللتان تعتلجان في صدور أبناء الشعب الواحد، فتولدت لديهما رغبة جامحة، تعطلت كلماتها في الحلوق وأرادت التعبير باتجاه ما.

 

قال مسحوت: إني ضحية شرور هذا المجتمع.

 

قال عنتر: مهما التمس المرء الأعذار والتبرير لحالة الشقاء التي نحياها، لا نجد الجواب الشافي وعلينا أن نودع الشقاء ونستأصل شــأفة المرض الخبيث الذي ينخر في أوصال المجتمع.

 

قال  مسحوت: المجتمع لن يهنأ إلا بوضع حد لتسلط البنوك على المعوزين، وها نحن وقعنا ضحية هذه الجرثومة الخبيثة التي تستغل احتياجات الناس وبؤسهم وتدفعهم للاستدانة وتكبلهم بقيود الديون.

 

قال عنتر: ما إن يفقد المرء وظيفته حتى  تتسلل إلى نفسه حالة يأس واغتراب، ويشعر بالفراغ والخواء ويفكر بالتالي بملء هذا الفراغ.

 

قال مسحوت: بلادي تمدني بالتعاسة والحزن، والقهر والخوف، وهذه المعاناة تدفع الإنسان إلى الانسحاق والخضوع والنفي والا فهم.

 

 

كنت احلم لو أن لدي مزرعة أو بناية، لبعتها وسددت ديوني، لكن ياللحسرة، العين بصيرة واليد قصيرة، هذه حياة صعبة وأنا خائف من المستقبل ومن طغيان رأس المال، ورأسي لم يعد يحتمل شرور البنوك.

 

فوجئ مسحوت بصديقه عنتر وهو يناوله سيفاً، ويطلب منه أن يقطع جسده إربا  إربا إن هو دافع يوما عن البنوك، خاصة عندما ترتفع العوائد وتقل الفوائد.

 

أحس مسحوت بارتفاع درجة الحرارة، إنه فصل الصيف، نظر إلى ساعته، أخذ يلاحق عقاربها حتى وصل إلى منزله.

 

مرت ثلاثة ساعات قبل أن يتســـلم مسحوت إخطارا ً خطيرا ً من المحكمة: عليك تسديد الدين حالا وإلا .

 

أقض هذا الإخطار مضجع مسحوت وملأ قلبه حقداً وحنقاً .

 

تناول السيف وقرر الفرار من الديون... ركض وصرخ صرخات مدوية, ترددت أصداؤها أرجاء المديــــنة. هام  علــى وجهه في الســـكيك والحارات الضيقة، حتى ضاق صدره، وطفق يكلم نفسه: دعني أضيع في رحاب التسكع, وأرفع رايتــي عاليا في المـــــتاه، وأنام حيث ألقى حــتفي، كطير ذبيح يرفرف فوق هامات البنوك.

 

 

أين سيفك ياعنتر؟ فعلى البنوك والمحكمة ومن فيها السلام.

 

وحين باغــته النوم, استلقى على ظهره بجانب رصيف المحكمة وراح يغط بنوم عميق، وبينما هو نائم وإذا به يرى نيران جهنم، يحرسها قضاة ومحامون، والكل ينهال عليه ضرباً، بعصيهم الغليظة دون ما شفقة...... قتلوه قاتلهم الله، ورموه جثة هامدة، مشت على جثته سيارات الشرطة والمطافئ وقضاة المحكمة دون أن تذرف عيونهم عليه دمعاً.

 

ولما استيقظ من سباته، أدرك أن كل الدموع تصب في البنوك، فارتسمت على خده دمعة حارة جاد بها قاضي مديون.

                                    

 

 


تعليقك