الأفعــى والحليب

 

 

 

قصة: الأستاذ محمد شكر

جلس بقربها ثم استلقى على قفاه، لمس حلماتها بأطراف أصابعه، رفع رأسه ووضع إحدى الحلمات في فمه، اخذ يمص بتؤدة، انساب الحليب مدراراً حتى ملأ بطنه تجشأ بصوت عالي وبصق على أرض المزرعة، ثم نهض.

وأطرق إطراق الافعوان وشمر عن لسانه وأبان: أزمعت أن لا أزودكم بالحليب بتاتاً، ولا أعطيكم بقرة ولا شاة، ولا أجمع لكم بعد اليوم في مزرعتي هذه شتاتاً.

استأثر حرمول بالمزرعة، وأصبحت المزرعة له وحده بعد أن طرد كل من فيها. وكل ما في الأمر أن المزارعين الذين كانوا يتقاسمون معه الحياة، حلوها ومرها، قد اعترضوا على استيراد السماد الأجنبي ...... خاصة وأن هذه الأسمدة المستوردة من أقطار شتى، تحمل في طياتها أخطاراً مميتة، وتنقل إلى التربة بيوضاً مقيتة أقلها بيوض الأفاعي السامة.

لم يعبأ حرمول باعتراضات المزارعين، ولم يكترث بما سيأتي به السماد اللعين من طامة أو من لوادغ سامة، فأقام حول مزرعته سوراً من الأسلاك، وبنى فوق ذلك السور سوراً من الأشواك وحال دون دخول أهله وبني عترته إلى المزرعة.

استقدم حرمول عمالاً أجانب وعين منهم حارساً غريباً ...... وكان ذلك الحارس لا يتكلم كثيراً، لكنه معروف بدهائه ومكره وقدرته على فرض رأيه و مشورته، فهو يستتر حيناً ويبوح أحيانا ًخاصة بعد أن أصبح هو الذي بيده الأرض، يحرثها، و يقلب تربتها، ويسمدها، بينما بقي حرمول مجرد مستهلك، ليس له موقعاً حقيقياً من الإنتاج.

وها هو اليوم بعد أن طرد أهله وذويه من المزارعين الأصليين غدا جثة، ذو لحية كثة، وهيئة رثة، ويعيش معزولاً في مزرعته الواقعة في الفلية، يقتات على الدجاج والفندال والحليب.

امتلك حرمول بقرة سوداء حالك لونها تدر حليباً ناصع البياض، وقفت البقرة تحت ظلال الغافه، ترعى الحشائش الخضراء التي تكومت أمامها، تأكل حينا وتجتر حيناً آخر، تحرك فكيها يمينا ً وشمالاً، وتلوح بذيلها لطرد الذباب والبعوض الذي يحوم حول ظهرها. مرر حرمول يده مربتاً على ظهر البقرة مارا بأصابعه حتى عنقها ...... توقف متأملاُ كمن أراد أن يقول شيئاً ... تحدث إليها متمتماً ببعض الكلمات المبهمة ثم انتشى وهمس في أذنها كأنه يبوح لها بسر.

استعصى على البقرة فهم ذك السر، فأخذت تخور وتجتر، فأجتر حرمول قائلاً: لقد قدمتي لنا آلاف الجالونات من الحليب، وأخذ هذا الحليب طريقه إلى السوق ليتحول إلى مال، وخسرنا ذلك المال في سوق المناخ، وهذه السوق تمتص دمائنا بأعصاب باردة. اعترت البقرة قشعريرة من البرد، فالتفتت نحو حرمول، لكن حرمول التفت إلى الأرض وقال: إن المناخ قاسياً والسوق قارصاً، ثم انثنى باتجاه الضرع ، وحلب حتى ملأ جالوناته، حمل الجالونات ومشى بينما قطرات الحليب تتساقط لترسم طريقاً أبيضاً يؤدي إلى السوق.

ظلت البقرة تأكل من خيرات الأرض، قمحاً وبرسيماً وتدر حليباً دسماً، وظل حرمول يسوق الحليب إلى السوق دونما اعتناء بالأرض ودون أن يوفر للحارس أدنى متطلبات الحياة اللائقة. فهو يغامر بكل إنتاج الأرض مما انعكس على حياة الحارس بؤساً وقلق وغدا لا ياكل إلا ما يسد الرمق.

وذات صباح مشمس، وفيما البقرة واقفة تحت الظلال الوارفة، بين البرسيم الذي يتمايل مع هبات النسيم، لاح حرمول متمائلاً يتوكأ على عصاه ويحمل إناءه فارغاً، مد يده حتى لامس الضرع، لم يدر الضرع حليباً، إنتصب قائماً وقال : يا للعجب ! ما الذي جرى؟ وما هو السبب؟ أثمة لص تجاسر وسرق الحليب! أم الحارس قد لعب! لم تخامر حرمول أدنى الشكوك بأن الحارس هو من سرق الحليب.... فصرخ في وجهه: ماذا دهاك؟ لماذا سرقت الحليب؟

رد الحارس: لا يا أرباب ....... أنا لم أسرق شيئاً..... بل كنت نائماً طيلة الليل.

قال حرمول: أنت لص مجرم .... أنت الذي سرق الحليب .

رد الحارس : لا لم أفعل .... وأخذ يقسم أغلظ الإيمان بأنه لم يحلب البقرة. هز حرمول عصاه في وجه الحارس وقال: أنت سرقت الحليب وأنا سأعاقبك على فعلتك.

قال الحارس: لا يا أرباب، ربما سرق الحليب أحد ما في الليل، أو لربما تكون البقرة مريضة.

وتمتم حرمول كمن إقتنع ببراءة الحارس. ثم خرج خالي الوفاض وهو يقول : راح نشوف.

وما أن حل المساء، حتى عاد حرمول إلى المزرعة، وكعادته إنحنى حتى وصلت يده إلى ضرع البقرة، اختبر الضرع وقال: إنه مليء بالحليب ،وضع الحلمة في فمه، انساب الحليب مدراراً حتى فاض على خديه، قام واقفاً وقال: إنه حليب لذيذ كامل الدسم وها أنا أترك الضرع وما فيه من خيرات حتى صباح الغد.

وفي صباح اليوم التالي، عاود المجيء، ووضع أصابعه على ضرع البقرة، لكن الضرع لم يدر حليبا.

قال: أنا أقر أن هذا الموسم، ليس موسم أمطار، ولكن ليس هناك موسماً في السنة ينعدم فيه الحليب كلية. ناهيك أنني تركت الضرع ليلة البارحة وهو يتقطر حليبا.....أنه أمراً مريباً.... سيما وأنه لم يمر يوماً واحداً طوال السنوات الماضية دون أن يكون هناك حليب.

أمر حرمول حارس المزرعة بتشديد الحراسة قائلاً: لربما يكون أحد الغلمان المراهقين في تلك القرية قد جاء ليلاً وسرق الحليب.

اتخذ الحارس له موقعاً لمراقبة البقرة، وحمل في يده بندقية صيد... لعله يتصادف من اللص ويطلق النار عليه ويرديه قتيلاً....وما إن بدأ الليل وأرخى الظلام الدامس سدوله حتى انعدمت الرؤية وغدت البقرة السوداء في الظلام شبحاً يستحيل تحديد ملامحه...إستمر الظلام مخيماً حتى منتصف الليل، وبعد منتصف الليل، أطل القمر من بين قمم الجبل الأحقب، وإنقشع الظلام، وباتت معالم المزرعة واضحة كأنها في رابعة النهار.... كان الشتاء قاسياً وكان الحارس يتقعقف وينتفض من شدة البرد... رفع بطانيته إلى منكبيه، ثم رفعها حتى غطت كتفه ورأسه، ولم تبقى إلا عيناه اللتان ظلتا مفتوحتين تراقبان البقرة.

باتت الرؤية واضحة.... هذه شجرة الغاف تمد ظلالها بعكس اتجاه ضوء القمر، وهذه البقرة مافتئت تقف تحت الشجرة، تمضغ الحشائش حيناً وتجتر حيناً آخر وهي تنظر إلى ضوء القمر.

غطت المزرعة في نوم عميق، بينما ظل الحارس يقظاً طيلة الليل، وما إن كاد القمر أن يودع المزرعة ويختفي بين التلال القريبة حتى سمع الحارس هسيساً قويا يزحف باتجاه البقرة، انه صوت مزعج رهيب، نعم شيء ما يشق طريقه بين الحشائش، صحيح إنها سويعات ما قبل الفجر، لكن الرؤية لازالت واضحة..... رفع الحارس رأسه وجال بناظريه.... حينئذ رأى ويا للهول ماراى! إنها حيه تسعى لونها كظلام الليل تذرع الأرض ذرعاً، تشق طريقها بإصرار بين الحشائش، ترفع رأسها المدبب فوق سطح الأرض وتسرع، وكلما رفعت رأسها رفع الحارس بندقيته، لكنه يعدل عن إطلاق النار، وظل جالساً على نار وبلا حراك و يراقب المشهد.

وصلت الأفعى الضخمة إلى البقرة، اقتربت من الضرع، توقفت ثم اشرئب رأسها، تطوطح يمينا وشمالاً.... واهتز إلى الخلف ثم إلى الأمام، رفعت صدرها إلى الأعلى، بهدوء ثم انثــنت وتمجلست تحت البقرة، وتلـقت الضرع ووضعت إحدى حلماته في فاها، ثم نقلت فمها من حلمة إلى أخرى حتى شفـطت آخر نقطة حليب، وبهدوء، أنزلت صدرها إلى سطح الأرض وانسلت في نفس الطريق الذي أتت منه، محدثه هسيساً قوياً، تاركة ورائها خطاً واضحاً بين الحشائش، وعين الحارس تـتـبعها حتى اختفت عن الأنظار .

وببطء شديد، شارف الفجر على البزوغ ، وأرسلت الشمس بواكير أشعتها، فظهر حرمول يحمل عصاه، وأوانيه الفارغة، لعل وعسى أن يملئها حليباً من ضرع البقرة، وما أن وجد الضرع ناضباً حتى صرخ مغاضباً، وهز عصاه في وجه الحارس، وفيما كان الحارس يهرع باتجاه سيده سمع صراخه ونبرات صوته: هل هرب السارق مرة أخرى؟ أراد الحارس أن يبوح ويشرح كل شئ... كاد أن يقول قد صادفت حية رضاعه شقت على عصى الطاعة. لكنه تمتم واجتزأ واكتفى بالقول: نعم يا سيدي..... ولم أطلق عليه النار خشية أن أصيب البقرة بأذى، وأعدك بأني سأنال منه غداً، سأقبض على الحية، عفواً يا سيدي سأقبض على اللص حياً والويه لياً.

لوى حرمول بوزه وحمل أوانيه ومشى بخطوات وئيدة متثاقلة، تاركاً أرض المزرعة دون أن ينبس بكلمه .

قضى الحارس ليلته التالية متوثباً في العريش، يراقب معالم الطريق الذي تسلكه الحية... وكان على يقين هذه المرة بأنه سيستمتع بما سيرى.

استند على دفع العريش، ومن فرجة الدفع أخذ يمعن النظر في البقرة وما حولها، فالعريش الذي ينام فيه ليس بمنأى عن المربط، فمن العريش يمكنه أن يرى البقرة بوضوح، والحشائش المنثورة أمامها، جالت عيناه في كل أرجاء المزرعة ثم رفع رأسه ونظر إلى السماء، فرآها صافية والقمر يطل من عليائه ويرسل شعاعه إلى الأرض..... وصار في ميسوره الآن أن يرى الدرب الذي تشقه الأفعى إلى مربط البقرة.

قال في نفسه: إن للمزارع أسراراً وهي لا تبوح بأسرارها، وأنا لن أبوح بسري، وإني اعتقد جازماً بأنه عند مربط البقرة ستنجلي الأسرار، انتابه الخوف، ارتعد قليلا ً وأخذ يحدث نفسه، لماذا لا أخلد إلى الراحة واستسلم للنوم قليلاً وانسى هذا الكابوس المخيف؟ لم يأته النوم، ولم يكن في وسعه أصلاً أن يتحرك أو يستدير، كي لا يسترعي انتباه الأفعى..... استشعر ببعوضة تحوم حول وجهه، لم يحرك ساكناً حتى لسعته البعوضة..... حرك يده ببطء شديد ليحك مكان اللسعة... فكر في لسعة الأفعى، ارتعد وسحب يده وانكمش متضائلاً في فراشه..آنس برداً قارصاً، فانحنى وضم رجليه إلى صدره كي يتدفأ.

تزاحمت في خاطره الأفكار، ووسوس إليه إبليس: أي عمل هذا اليوم الذي تقوم به؟ إنه منهك في النهار، مرعب في الليل وفوق هذا وذاك، لا تجد ما يعيل زوجتك وأطفالك، فخير المزرعة، وحليب البقرة يصب في جيوب أصحاب المال.... والآن ها هي الأفعى تغزو المزرعة وتشفط الحليب .

هل أدلك على طريقة تقضي بها على سيد المزرعة وتستحوذ عليها بدلا ً منه .

فكر وقال: أنا أهبل... لعل السهر يجعل المرء أبله، فالإنسان يحتاج إلى الفراش الدافئ والنوم الكافي..... إن غيري مثل أصحاب المزارع ليرفلون في أثواب النعيم و يتناولون الوجبات الدسمة.....حتى هذه الأفعى تأبى إلا أن تتناول حليباً طازجاً كامل الدسم. والأجدر بي أن اقتدي بالأفعى...من يدري؟ حسناً، فلعل في ذلك درساً لي، ولعل ثمة هناك أمل، ومع توارد الخواطر راح في غفوة، و بعد أن استفاق من غفوته وجد نفسه أمام الأفعى والبقرة، ورأى الأفعى وهي ترفع رأسها رويداً رويدا حتى بات فمها قاب قوسين أو أدنى من الضرع.... فرك عينه، استطاع الآن أن يرى بوضوح، رأى بطنها الأسود الذي يشبه برميل النفط، تسمر في مكانه لا يحرك ساكناً فيما الأفعى تتماوج بجسمها الضخم، وتنزلق بصدرها إلى الأعلى مصوبة فمها باتجاه ضرع البقرة، شعر بالجوع فسال لعابه، لكنه صفع وجهه بيده وخاطب نفسه قائلاً: يا ترى! ما الذي أرى، في هذا الكرى، ألص هذا أم وحش انبرى لي! لا.. لا... هذه أفعى حالك لونها ترضع بقرة سوداء في ضوء القمر.

وما أوشك ضوء القمر على الخفوت، وكاد الليل أن يفوت حتى غادرت الأفعى مكان من استرعى فلم يرع........ وهي تزحف على بطنها العظيم، بأريحية وتصميم.

تنفس الحارس صعداءه وقال: من الخير لي، وقد غادرت الأفعى أن أنهض من فراشي قبل الخامسة، نظر إلى ساعته العتيقة، كانت عقاربها تتحرك ببطء وتشير إلى الخامسة إلا ربعاًً.... صحيح إنه لم ينم نوماً هادئاً لكن عليه الآن أن ينهض ويسرع كالمجنون كي يتجنب صريخ الأرباب وتوبيخه.

ومن فرجة العريش رآه قادماً يسحب قدماه ويحمل عصاه وأوانيه الفارغة. هب راكضاً وتناول الأواني من يده وولج رأساً إلى ضرع البقرة...... لامس الضرع وهو يتطلع بلهفة إلى لفت انتباهه إلى خلوه من الحليب.... لم يخامره شكاً في خلو الضرع من الحليب لكنه بذل قصارى جهده لكي لا يبوح بشيء مما حدث ليلة البارحة.

قال حرمول: ماذا حدث ؟

قال الحارس: لاشيء .... لاشيء .... لكن اللص تسلل إلى مكان البقرة وسرق الحليب بينما كنت أشعل نارا لإعداد الشاي .

قال حرمول: لماذا لا تطلق عليه النار ؟

قال الحارس: أصابتني نوبة دوار وحالت بيني وبين إطلاق النار، فانطلق اللص وولى هارباً.

قال حرمول: هذا لغز مريب، وعلينا أن نمسك اللص الغريب قبل أن نغدوا بلا حليب.

 

ولغاية في نفسه، علق الحارس بمكره المعهود قائلاً: أنا لا أستطيع أن أطلق النار على مواطن غريب يحتمي بأم الحليب، فعليك وحدك أن تمسك به قبل أن يمسك بك.

قال حرمول: أنا امسك به....كيف ؟

تخابث الحارس وقال: بسيطة، عليك أن تختبئ بالقرب من مربط البقرة... أو تحفر تحتها حفرة وتختبئ فيها. وما إن يأتي اللص، حتى تنقض عليه وتصطاده.

قال حرمول: إنني أعرف كيف أصطاده! وأول فكرة قفزت إلى ذهنه هي إعداد الحفرة.....

طلب من الحارس أن يقترب من مربط البقرة، ويحفر حفرة تتيح له التحرك في مختلف الاتجاهات وتغطى بشيء من السعف وتموه بالحشائش تضليلاً للص....... ثم استدرك متسائلاً: هل يحمل اللص سكيناً؟

قال الحارس: لا .. لا يحمل سكيناً، وإنما عليك فقط أن تحمل عصاك.

تمتم حرمول قائلاً: إذن ... عندما يقترب من الحفرة ، سأخرج منها وأنهال عليه ضرباً.

قال الحارس: اشبعه ضرباً من الخيال، لكنك الآن تريث ولا تدخل الحفرة إلا في الهزيع الأخير من الليل.

وقبيل حلول الهزيع الأخير من الليل، سجى فيه الدجى وخاب فيه المرتجى، دخل حرمول حفرته واستدار فيها، ثم أرخى رأسه وزاد في النزول حتى تساوى جسمه بسطح الأرض.

غطى الحارس تلك الحفرة بالقش والأعشاب...... وما إن وضع آخر قشه حتى توارى بعيداً، واتخذ له متكأً يراقب منه ما سيحدث.

ومن بعيد صاح الحارس: ماذا تفعل باللص إذا ما القيت القبض عليه ؟

قال حرمول: لا أعرف ... لكني سأقبض روحه مثلما أقبض أثمان اللبن، وسأدفنه في هذه الحفرة مثلما أدفن دراهمي في يدي. ثم تمترس في حفرته، لا يبالي بكثرة الأسئلة، و لا يجيب إلا باقتضاب ..... بنعم أو بلا.

صرخ الحارس: هل تسمعني يا أرباب؟ هل أنت لازلت تتمرس في الحفرة ؟ وهل عصاك جاهزة في يدك؟

أفل القمر، وانبلج السفر، وأرهف الحارس أذنيه لاستراق السمع، فسمع هسيساً مرعبا. فصاح قائلا : كن يقضاً يا أرباب ولا تنام، إنني أسمع صوتاً قادماً ولعله اللص ...لا تتحرك أبدا ً حتى لا يسمعك ويشك في أمرك.

شقت الحية طريقها ، وشرعت تهز رأسها وذيلها في اتساق منتظم..... ووقفت تحت البقرة، تريثت قليلاً ثم رفعت صدرها بخفه ورشاقة حتى بلغ منتهاه، فأثـنت جسدها حتى تحوقـفت ثم وقفت، بينما بقت البقرة طيلة الوقت ساكنة، تجتر ما في فمها وبقي كل شيء هادئاً ساكناً إلا فم الحية الذي تحرك حتى لامس حلمة البقرة .

عندها أصدر الحارس صفيراً مدوياً....... أراد حرمول أن يتحرك لكنه لم يجد متسعا في الحفرة، وما إن ازداد صفير الحارس وغدا أشبه بهبة ريح حتى هب حرمول وأخرج رأسه من الحفرة، لكنه لم يرى شيئاً، لأن الضباب كان كثيفاً وحبات الندى ما برحت تهطل وتتسلل إلى قاع الحفرة، وبعسر شديد عاود حرمول الحركة، كان الأمر صعباً. وفي حذر شديد قفز وحرك جل جسمه إلى الأعلى...... وما إن أصبح بمقدوره الخروج من الحفرة حتى إستجمع كل قواه واندفع بتهور إلى خارج الحفرة، وأثناء خروجه ارتطم بعنف بجسم الأفعى، فصوب عصاه نحوها وضربها، فاهتز جسمها بعنف وتأرجحت وتمرجحت حتى كادت أن تفقد توازنها.

لكنها في طرفة عين، صوبت شوكتها ووجهت إلى صدره لدغة مؤلمة، لم يرفع بعدها رأسه، بل أخذ ينظر إلى موقع اللدغة ويحك بقوة .

وما إن انتشر السم في أوصاله حتى رثى حاله وصرخ صرخة ألم، واستفرغ بصقة سوداء ثم ولى هارباً لكنه تعثر بالحشائش، فتلقفته الحفرة، واحتضنته في بطنها.

فذرف الحارس دمعة سامة، امتزجت بدم الأفعى، فعجلت له المنية وغيبته في حفرته بعيداً عن أهله وبني عترته .


تعليقك