الوعد الصادق

عندما ينادي القائد جنوده "بأنهم الوعد الصادق من الله، تتجلى الأرواح وتعلو الهمم وتتفجر الطاقات شموخا واقداما. وعندما يعلن لهم من وإلى أرض المعركة بأنه يقبل أياديهم وأرجلهم ورؤوسهم تتعمق علاقة الحب والمودة والتصميم على التضحية والفداء ويتحقق النصر. قال تعالى "فيما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك" (سورة آل عمران 159). هكذا حسم السيد نصر الله معركته لم يتخاذل أو يتوان عن أداء واجبه بل كان قائدا بارعا وكان قدوة حكيما يحتذى. أعد للمعركة بدقة فأحسن اختيار أدواتها، أدار دفتها فأحسن توجيه بوصلتها، بنى قبل المعركة وأعاد بناء ما دمرته فأتقن العمل وقهر الخوف، وكان في البدء كما في النهاية متوكلا على الله واثقا من نصره: وله في قصة سيدنا موسى عليه السلام قدوة للقائد حيث قال الله تعالى " فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهديني فأوحينا الى موسى ان أضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم" (سورة الشعراء 60-68)

فللمقاومة اللبنانية في الذكرى الأولى للوعد الصادق أقول: من سويداء القلوب نبعث لكم بتحية الإجلال والإكبار والتقدير وأقرن تحياتي بالاعتراف لكم بجليل أعمالكم وسمو أهدافكم. دعوني أقول لكم كم أنتم عمالقة في زمن يراد فيه أن يتقزم الرجال. إنكم ومضات مضيئة في أحلك ليل يغشى الأمة... .أما نحن، فكلما ازداد عجزنا ازددنا اعجابا بكم. أنتم يا مصدر الفخر والعزة والكرامة. دعونا نتحاور بصدق، والصدق والصراحة ركيزتي نهج واضح ونبيل في مدرسة ملهم وقائد هذه المقاومة (السيد حسن نصر الله). دعوني أجزم واثقة بأننا نحن منكم وأنتم منا. هذه هي الحقيقة وغير ذلك محض كذب وافتراء. ربما نختلف في أمور ونتفق على أخرى ولكن المساحة الأوسع من خريطة عقولنا وقلوبنا هي تلك التي تستحوذ على  مشاعر الحب والفخر والإعتزاز. كيف لا ؟ وأنتم من ترجم الآمال واقعا وجسد حلما تراءى لبعضنا يوما بعيد المنال. في وضع كهذا يتحتم علينا كما هو الحال بالنسبة لكل عربي شريف أن تكون لكل منا، افرادا  وجماعات، حصة من كرامة نساهم بها معكم في الكفاح للذود عن الدين والوطن والحرية. ولكن قد يطرح تساؤل مشروع...كيف ؟؟؟ كيف السبيل في زمن أصبح تعد على العربي فيه حتى أنفاسة، زد عليها تقطع الأوصال وسبل التواصل بين أبناء الوطن الواحد. وقد يقول قائل هذه هي المشكلة فكيف حلها؟ واقول لهم أنه رغم ذلك وإحقاقا للحق، ورغم ابتلاء الساحة العربية بالكثيرين من المتخاذلين، مروجي مشاعر الهزيمة واليأس وداعمي ومكرسي التبعية والإستعمار، رغم كل ذلك لم تخل يوما ساحة العروبة من البطولات والإستعداد لبذل التضحية والفدا،.ماضيا وحاضرا. فاذا ما وضعنا  الماضي جانبا، دعونا نحلل الواقع المعاش ولنعترف بأنه واقع  ملئ بالمتناقضات لكن اذا ما ألقيت نظرة موضوعية على خريطة الوطن، سيكون بالأمكان إشعال جذوة أمل تضيء قتامة بؤسنا. وهنا أطمئنكم، وأنتم بذلك أدرى يا أبطال المقاومة اللبنانية البواسل انه بالإضافة الى انتصاراتكم التي أبهرت حتى أعداءكم ،هناك ملاحم أخرى مكملة لكم. ففي العراق اخوتكم في العروبة يتصدون لأبشع هجمة بربرية مجرمة ربما لم يشهد التاريخ لها مثيلا. هناك...دمرت وحرقت معالم الحضارة: المساجد، المتاحف، الجامعات  المكتبات. وهدمت البيوت على الأطفال والنساء والرجال. اغتيل العلماء والمفكرون والمشايخ. وأكثر من ذلك نحر قائدها ورفاقه بعد ان أبوا الإنضمام الى حظيرة ترعاها الخنازير. وفي فلسطين...أم الملاح، ورغم كل المستجدات المؤسفة التي تتطلب وقفة فاحصة تقييما لما لهذه الأحداث من أسباب وما عليها من مثالب رغم كل ذلك سطر وما زال يسطر ابناؤها، ومنذ أن زرع الكيان الغاصب، بطولات كانت وما زالت نبراس ايهتدي به المناضلون في العالم، وكذلك يفعل أبطال الصومال في نضالهم ضد الأطماع والاعتداءات الأجنبية الغاشمة.

هذا هو الوضع في الوطن العربي، فبرغم الأنكسارات التي تكسو الوطن قتامة، هناك قبس من نور يضئ ساحته، وفي ثنايا هذين النقيضين تتداعى عوامل الهدم والبناء ليصبح أمامنا أمران لا ثالث لهما، إما أن نركن الى حياة الدعة والإسترخاء ونقف متفرجين على كوارث متتالية، أو أن نسير على نهجكم أخوتنا المقاومون. ففي الحالة الأولى، إنني لا أبالغ عندما أخاطب المتقاعسين وأقول لهم، بأننا في حياة اي منا الزمنية، لابد أن يأتي يوما  ندفع فيه الثمن غاليا نتيجة جهلنا وتخاذلنا فأعداؤنا كجهنم عند ما يقال لها هل امتلأت تقول هل من مزيد. هذا في حياتنا أما في آخرتنا فحسابنا عند الله سبحانه وتعالى وله الأمر كله. أما في الحالة الثانية، ورغم كل العقبات، فالعلاج الناجع لا يمكن ان يكون عصيا على ذوي العزم. وهنا أقول دعونا نستهدي بقول رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ومن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان}. أعود لكم  أخوتي في المقاومة اللبنانية أنتم كإخوانكم المقاومين في العراق وفلسطين والصومال قد أبليتم بلاءا حسنا، وهذا في حد ذاته تكفيرا لذنوب الأمة علهم يقدرون. بورك جهادكم ولكم جميعا العزة والنصر إن شاء الله، أما نحن فمن يأبى منا أن يقف متفرجا فلن يعدم الوسيلة، لعل أبسطها أن نجابه وعيا مزيفا ومبرمجا أريد له أن يزيد التخلف غثاء وقد ساهم هذا التخلف في خلق بيئة مقيتة أفرخت مرض التطرف والخواء الفكري وبث عوامل الفرقة بين أبناء أمتنا وبالتالي انقساماتهم الى قوميات وأديان ومذاهب وطوائف متناحرة بدأت نذرها تطل لتجلب الدمار وتجلب التشرذم وتفتت المنطقة لكي يتسنى للعدو الإجهاز على ما تبقى لنا من كيان وكرامة. هنا معركة اخرى يحتمها الواجب تجاه أحبة لنا أمتطوا صهوة النضال للدفاع عن حياض الوطن. هنا نحن مسئولون أمام الله والأمة أن لا نفسد شرعية من ضحى بدمه وروحه ليصون الكرامة والوطن بخلق أوهام الفرقة والشقاق في العرق والمعتقد والمذهب. هذه اللحمة المبتغاه بين أبناء أمتنا هي  صمام الأمان لوجودنا.

مهرة سالم القاسمي    

  2007

 


تعليقك