مختارات من قصص الكاتب المغربي جمال بوطيب

  من مجموعة (زخة ...يبتدىء الشتاء)

 

فــي أسبـــــوع

عندما بدأت أفك الحروف، اشترى لي أبي كتابا اسمه " كيف تتعلم الصلاة في أسبوع؟». قرأت الكتاب. مر الأسبوع.. ولم أ تعلم الصلاة.

وحين التحقت بالمدرسة عشقت اللغات. جمعت بضعة دراهم واشتريت كتابا اسمه " كيف تتحكم في خمس لغات في أسبوع".

 تحكمت في نفسي. هجرت اللعب. كبرت على أصدقائي والتصقت بالكتاب. مر الأسبوع ولم أتحكم في اللغات. وعدت إلى اللعب إلى أن  فصلوني.

ولما فصلوني لم أغضب كثيرا. جمعت دراهم أخرى واشتريت  كتابا اسمه "كيف تصبح مليونيرا في أسبوع". حفظت الكتاب. مر الأسبوع ولم أصبح مليونيرا.

سؤال واحد ظل يخنقني: ""ماذا يقصدون بالأسبوع؟ هل لهم أسبوعهم ولنا أسبوعنا ؟ "

سألت صديقي: ألا يوجد كتاب اسمه "كيف تنتحر في أسبوع".

ضحك وقال:

- الانتحار لا يحتاج إلى أسبوع.

- الانتحار يحتاج إلى دقيقة أو دقيقتين.

-الانتحار شجاعة وقرار وتنفيذ.

تشجعت وقررت ولم أستطع التنفيذ.

مرت دقيقة. مرت دقيقتان وأعلنت في فرح ونشوة:

- لقد صار أسبوعي مثل أسبوعهم. وغدا أتعلم الصلاة واللغات وأصبح مليونيرا وانتحر "في أسبوع".

 

 

عبـــــارة زائـــــدة

 أثبت النص مرفقا بأسئلته على السبورة السوداء المثقوبة في أكثر من مكان. الحصة حصة تركيب. كان مطلوبا من التلاميذ أن يشطبوا على كل عبارة زائدة. فوجئ بأكسل تلميذ في  الفصل يتقدم نحو السبورة السوداء المثقوبة في اكثر من مكان. حمل الممسحة البنية الصغيرة. تراجع خطوتين إلى الوراء. تقدم نحو السبورة ثانية. أشار بسبابته إلى السؤال: "شطب على كل عبارة زائدة."

ودون أن ينبس بحرف مسح التاريخ.

ألقى الممسحة البنية الصغيرة وغادر الفصل بينما تعالى التصفيق.

 

 

ياسين والوادي

جمع الشيخ أحفاده وعليهم قص الحكاية التي كان مستهلها: "كان يا ما كان" ونهايتها: "وحكايتي مشات مع الوادي."

ياسين، حفيده الأكرت الشعر، ذهب إلى الوادي يتقفى آثار الحكاية.

بسذاجة طفل تساءل : "الوادي لازال في مكانه، وأكيد أن الحكاية لا زالت هنا".

غطس في الوادي بحثا عنها. لم يجد غير الحجارة الملساء والضفادع وأعشاب مائية. قرر ياسين عدم العودة من الوادي إلا بالحكاية متوهما أنه سيرضي جده.

لكن جده الذي دمعت عيناه وابيضت من الحزن، اعتزل الحكي وصار من يومها يحكي لبقية الأحفاد حكاية واحدة هي حكاية ياسين مع الوادي.

 

 

 

درس الــحب

مخمورا دخل الطفل إلى الفصل. حدق جيدا في المعلمة وقال:

-  أحبك.

ضحك الصغار وظلت حنان تتأمله.

كانت المعلمة قد هرعت إلى مكتب المدير. وكان المدير قد هتف إلى الشرطة. سرى الخبر في المدينة:

- طفل مخمور قال لمعلمته أحبك...

عندما حضر مسؤول الشرطة كان التلميذ قد كبر، وقبل أن يقتربوا منه قال:

- لم أعد أحبها.

كانت رائحة الخمر لا تزال فواحة من فمه، وكان يبدو أطول منهم جميعا. بينما كان الوزير قد قرر أن يعدل المنهاج المدرسي وألا يدرس الأطفال شيئا غير درس الحب.

وفي أذن الطفل همست حنان :

أنا صرت أحب الوزير.

 

 

المــكــافأة

يقينا أنني كنت أحلم حين أجلسني الرجل الأنيق على كرسي وثير في مكتبه الواسع والمكيف. ابتسم. ابتسم لي بالتأكيد لأنه لم يكن معنا ثالث. ابتسم لي مرات عديدة فاضطررت للابتسام. قال  لي بأدب بالغ:

- نحن رهن إشارتك. نحن طوع أمرك . نحن عبيدك. اطلب ما تريد. لا تتردد اطلب.

في البداية، طلبت - في سري - ان تكون عاقبة أمري سليمة، وحين أصر الرجل تردد، طلب كوب ماء.

لكن صاحبنا غضب، وطلب مني أن أكون في مستوى مسؤوليتي. قال إن علي أن اطلب عقارات مثلا، نساء، أموالا، سيارات،،، فجلال قدري يفرض أن أطلب أشياء أهم.

استحضرت جلال قدري الذي يفرض أن أطلب أشياء أهم، وطلبت من الرجل أن يأخذ ورقة وقلما ويسجل:

"أريد خروفا وبقرة وحمامة.

أريد تينة وزيتونة وليمونة.

أريد ساقية وبئرا وطاحونة".

وحين استرقت النظر إلى ورقته، وجدته لم يسجل ما قلت وإنما كتب:

 " فعلا سيدي كما توقعتم".

وقبل أن أغادر مكتبه، حمل السماعة وهمس في أذن ما بأنني أنا المقصود.

وبعد ساعة، رأيتني ساكنا. رأيت عنقي خاضعا إلى أعلى. رأيت نساء باكيات. رأيت عجوزا يعريني، وثوبا  ابيض يخاط.

  

 

إ فـــــــحـــــــام

بوقاحة مفاجئة، سألتني الشقراء الجالسة في صف الذكور:

- أستاذ، قيل لنا إنك تحسن الرقص.

فكرت في سد فمها بقذيفة تحفظ لي شيئا من وقاري أمام هؤلاء العفاريت الذين يخفون ضحكاتهم، قلت:

- هل تريدين أن أرقص معك ؟

- نعم.

فأفحمتني.

 

وقـــاحــة

في الفصل- بتحريض من الشقراء الجالسة في صف الذكور سألني أقصر تلميذ في الفصل:

- أستاذ، ما الفرق بين المقصور والمنقوص والممدود؟

ارتبكت كعادتي كلما اسأل، استحضرت كل معارفي وصرت أبين الفرق.

كان القصير يتابع ويبتسم، وكانت الشقراء تبتسم ولا تتابع.

وحين انتهيت قال لي القصير بأن ما شرحته له الشقراء أفيد بكثير مما شرحته أنا. سألتها. فقالت إن للأمر علاقة بالرقص، فأفحمتني مرة  ثانية.

 

مخـــالـفـــة

ظلت الشمس تلفح الشرطي الذي كان يترقب مخالفات السائقين المنتبهين منه وإليه . لم تقوى قبعته على مقاومة الحرارة. نزعها. حك صلعته التي نزفت عرقا. أعاد القبعة إلى رأسه. وضع سيجارة في فمه. أرسل صفيرا فاشتعلت السيجارة. وصار ينفث دخانها في الهواء.

مساءا عاد إلى المركز دون أن يسجل ولو مخالفة واحدة. شكا نفسه إلى رئيسه:

- سيدي لم ألتزم بأخلاق عملي وعجزت عن أجمع لكم مصروفكم اليومي.

غضب رئيسه. سبه وفتش جيوبه، قبل أن يمزق الشكاية.

فكر الشرطي الأصلع:

- ورقة ناقصة من دفتر المخالفات معناه مبلغ مالي قبض بدلا لها.

عاد مكتئبا إلى منزله. اندهشت زوجته كيف عاد دون بطيخة المساء. أما المخالفة التي سجلتها عليه صغيرته هي أن رائحة حذائه أصبحت لا تطاق.

 

طـــــلاق

كان الحمار قد تردد كثيرا قبل أن يخبر الأتان برغبتـه الصادقة في الزواج منها . وكانت الأتان تدرك ميله المفضوح إليها فتتغاضى وتتجاهله، وحين اختلى بها في الحقل اشترطت:

- مهري ركلة للفلاح في حجره.

لم يشفق الحمار على نفسه من شئ غير نفيه من الزريبة، ولما عزم على الفلاح وهو يشده إلى المحراث كانت الأتان تلتهم التبن. غمزته بغنج وبين فخذيه سرت قشعريرة قاتلة وركل المحراث.

استلقت الأتان على ظهرها ضاحكة. غضب الحمار وقال:

- أنت طالق.

ظلت الأتان غارقة في ضحكها وهي تغالب دمعة الشماتة ثم قالت له:

-       ستظل حمارا.

 

 

عن موقع الأكاديمي والكاتب جمال بوطيب

http://www.jamalboutaib.jeeran.com/