مقتطفات من سيرةٍ طويلة لتاريخ الروح

الشاعرة السورية لينا الطيبي



لو أن بوسع الحب أن يقول لقلتُ
لكنني هربتُ من الكلمات
وذهبتُ إلى مطر
هكذا ارتجفت
فصليتُ،
القول وحده غالبني
فغُلبتُ.

أنا لا أؤرخ
لكنني أكتبُ سيرة الروح
كما تكتبُ زنبقة
موت البهجة في البياض.

بأملٍ ميت.. وأملٍ شقي
برؤى تتوهم
بماءٍ وزورق وأحلام
أستعيدكَ من كل طريق
لأجوسَ عتمة حياتي
لآخذ بنومٍ ما عجزت عنه يدي،
وأسطع ببريق يحفر في وسادة الألم.

أرتفع لأرتفع.

أنا لا أؤرخ
لكنني أضمُ أصابعي
لأتقي رغبتي بالطيران
أكوّر جناحي
وأسجد عند غبطة الحلم
يأتي بالصور
ويكدس الذكرى.

بيننا كف وكف
قمر يتنزه ويتركنا بلا مرايا
بيننا الأحلام
إشراقة النهار
ومضي الليل
بيننا زهو الغياب يرسمنا ونرسمه
عتمة وحائط وماء ليس ينتهي
وبيننا أصابع طاقت وانطوت.

أنا لا أؤرخ
لكنني أكتب سيرة تنتزعني
وأدلق البياض لأتطهر من كل إثم
أرسم ذكرياتي على جدار كبير
لأمحو كل ما مضى
لأستقبل الآتي بنشوة الحلم
وبالماء والماء والماء.
أزيّن فوضى الرفوف
وأهبط
لأكتب من جديد:
هذا التاريخ أنتَ
صنعته وصنعتني
وحفرت به الألم
وأنهضته بالسطوع
وواريتني.

أنا ما كتبتُ
غير أنني بنعمة تَنَـزَلَّتْ وأُنزِلتْ
ذهبتُ في الأصابع
وفتحتُ كفي
ولما اليباس
رأيت المطر،
ولما الموت
رأيت الحياة،
ولما الطوفان
رأيتُ النجاة،
ولما الخسران
كان الله قد أحبني.

أنا ما كتبتُ سيرة
وما أشعلت بداية غير أنني فتحتُ الكتاب
ونظرت المرآة
ولما تبدّد الخوف
تسمرت بالحب
فنطقتُ
وما كتبت.ُ

سيرتي نهضتْ وبنتْ وارتأتْ
وعند النهر
سرى الجدول
وتألق رذاذٌ
زبدٌ
غطى رمال الذكرى
وأضاء في العتمة
ما خسره النهار.

أنا ما أكتبُ
بل أنسجُ كحائكة عمياء
رداء ليلتي
أَضيء غفوتي بالتذكر
وأنام لألتمع عند الحلم
أصرخ لينفتح العبور
لتشرئبَ من بين المرايا
ليكون صوتكَ صرخة الممر عند ميلانه.

أنا ما كتبتُ
ما دوّنت
ولا رسمتُ
حللتُ شعري وأغمضتُ
قلتُ رأيت دنيا
وجلستُ بينها
كانت الأنامل مشغولة
والماضي كما السبحة.. ينفلت ويتدحرج.

هكذا أضأتُ بشعلةٍ خفيضة
أياما سوداء كانت،
هكذا،
وكما قبلة منسية تيبسَتْ عند الشفة
ابتسمتُ
وهزأتُ من صور قديمة.

كنتُ أجرحُ الألمَ بأشدِّ منه.

لو أن بوسع الحب أن يقول
لكنتُ ارتعشت في موتي
وعنده،
لكنتُ صوته
وصرختُ به،
لناديته،
لو أنه بوسعه
لو أنه أنطقني
لو أنني قلته
لكنني في القول غلبتُ
وما استطعتُ.

أزين صورتي لأحلّ به
لأشتعل وأُشعلُ
لأضيء في هذا اليباب
أرضا تدور وتدور
ولا تأخذ بي.

لو أن بوسع الحب أن يقول لقلتُ
لكن المطر كان أسرع
والموج الذي علا كان يُرَّجفني
والنسمة كانت كالهبوب.

لو أن بوسعه
لو أنني قلته
لكن المساء كان يدرك شمس الصباح
والليل ينفرط
لتحل الذكريات.

لو كان بوسعه
لو أنه أنطقني
لكن القول وحده غالبني
فغُلبتُ.

 

        (Facebook)عن موقع