قصائد للشاعر فاروق جويدة

 

 عندما تفرقنا الأيام

من ديوان "حبيبتي لا ترحلي"

 

ورحلت عنك .. بلا وداع

وطويت بين ضباب أيامي حكايات قديمة     

أنشودة ذابت مع الأيام .. أو شكوى عقيمة

وتركت أيام الضياع

كانت تمزقني فلا أرى الصديق

وحدي هناك ..  يشدني الجرح العميق

أواه يا قلبي .. أضعت العمر محترق الجراح

وأخذت تحلم كل يوم .. بالصباح

فتركت أيامي تضيع مع الرياح

يوما إلى الأحزان تأخذنا وآخر للجراح

***

ورحلت عنك بلا وداع

كم كنت أحلم يا رفيقي .. بالمساء

كم كنت أنسج قصة العشاق ترنو للقاء

أو همسة تنساب في الأعماق.. تسري كالضياء

أو رعشة الأيدي تعانقها الحنايا .. في السماء

أو موعدا أنسي به أحزاني

أو بسمة تهتز في وجداني

أو دمعة عند الوداع ألومها

فغدا يكون لنا اللقاء الثاني

 

***

ورأيت حبك في فؤادي يختنق

يهوي كما تهوي النجوم .. ويحترق

ورأيت أحلامي مع الشكوى .. تضيع

وشباب أيامي يذوب.. مع الصقيع

ولقد قضيت العمر أنتظر الربيع

***

ورحلت عنك بلا وداع

ونسيت أحلاما .. تلا شت كالشعاع

حب قديم تاه منا في الضباب

أمل توارى في الليالي..

أو تبعثر في التراب

عمر تبدد في العذاب

حتى الشباب

قد ضاع منا .. وانتهى عهد الشباب

أترى يفيد هنا العتاب؟

أبدا.. ودعك من العتاب

***

الآن أرحل عنك بالأمل الجريح

قد أستريح من الأسى .. قد أستريح

كم عشت أحلم يا رفيقي بالضياء

ورأيت أحلامي تلاشت في الفضاء

فقتلت هذا الحب .. في أعماقي

ونسيت بعدك لوعة الأشواق

وغدوت أياما تفوح بسحرها

لتصير شعرا ... في رؤى العشاق

 

نحن والزمان

من ديوان "في عينيك عنواني"

 

وفي عينيك ألقيت الأماني

وقلت: الآن أصفح عن زماني

قضيت العمر أبحث عنك حلما

رأيتك من سنين في كياني

تركت القلب عندك دون خوف

وأخشى أن يموت إذا أتاني

فإن سألوك يوما عن فؤادي

وكيف يعيش مذهول الأماني؟

فقولي إن حبك كان لحنا

كحلم لاح في ليل الزمان

عشقتك ذات يوم .. في ضياعي

وفي عينيك أصفح عن زماني

 

 

من قال إن النفط أغلى من دمي؟

 (إلى أطفال العراق)

 

مادام يحكمنا الجنون‏..

سنرى كلاب الصيد تلتهم

الأجنة في البطون

سنرى حقول القمح ألغاماً

وضوء الصبح ناراً في العيون

سنرى الصغار على المشانق

في صلاة الفجر جهراً يصلبون

وحين يحكمنا الجنون

لا زهرة بيضاء تشرق

فوق أشلاء الغصون

لا فرحة في عين طفل

نام في صدر حنون

لا دين‏..‏ لا إيمان‏..‏ لا حق

ولا عرض مصون

وتهون أقدار الشعوب

وكل شيء قد يهون

مادام يحكمنا الجنون

‏*****

أطفال بغداد الحزينة يسألون

عن أي ذنب يقتلون

يترنحون على شظايا الجوع

يقتسمون خبز الموت‏..‏ ثم يودعون

شبح‏ "الهنود الحمر"‏ يظهر في صقيع بلادنا

ويصيح فينا الطامعون‏...

من كل صوب قادمون

من كل جنس يزحفون

تبدو شوارعنا بلون الدم

والكهان في خمر الندامة غارقون

تبدو قلوب الناس أشباحاً

ويغدو الحلم طيفا عاجزاً

بين المهانة‏..‏ والظنون

هذي كلاب الصيد

فوق رؤوسنا تعوي

ونحن إلى المهالك مسرعون‏..

‏*****

أطفال بغداد الحزينة

في الشوارع يصرخون

جيش التتار

يدق أبواب المدينة كالوباء

ويزحف الطاعون

أحفاد "هولاكو"

على جثث الصغار يزمجرون

جثث الهنود الحمر تطفو

فوق أعمدة الكنائس والثرى يغلي

صراخ الناس يقتحم السكون

أنهار دم فوق أجنحة الطيور الجارحات

مخالب سوداء تنفذ في العيون

مازال دجلة يذكر الأيام‏..

والماضي البعيد يطل من خلف القرون

عبر الغزاة هنا كثيرا‏ً..‏ ثم راحوا

أين راح العابرون؟‏!

هذي مدينتنا‏..‏ وكم باغ أتى

ذهب الجميع ونحن فيها صامدون

سيموت "هولاكو"

ويعود أطفال العراق

أمام دجلة يرقصون

لسنا الهنود الحمر

حتى تنصبوا فينا المشانق

في كل شبر من ثرى بغداد

نهر‏..‏ أو نخيل‏..‏ أو حدائق

وإذا أردتم سوف نجعلها بنادق

سنحارب الطاغوت فوق الأرض

بين الماء‏..‏ في صمت الخنادق

إنا كرهنا الموت لكن

في سبيل الله نشعلها حرائق

ستظل في كل العصور وإن كرهتم

أمة الإسلام من خير الخلائق

‏*****

أطفال بغداد الحزينة

يرفعون الآن رايات الغضب

بغداد في أيدي الجبابرة الكبار

تضيع منا‏..‏ تغتصب

أين العروبة‏..‏ والسيوف البيض

والخيل الضواري‏.. ‏والمآثر‏.. ‏والنسب؟

أين الشعوب وأين كهان العرب؟!

في معبد الطغيان يبتهل الجميع

ولا ترى غير العجب‏..

البعض منهم قد شجب

والبعض في خزي هرب

وهناك من خلع الثياب

لكل جواد وهب‏..

في ساحة الشيطان

نقرأ ‏"سورة‏" الدولار!

يسعى الناس أفواجاً

إلى  مسرى الغنائم والذهب

والناس تسأل عن بقايا أمة تدعى"‏العرب"!‏

كانت تعيش من المحيط إلى الخليج

ولم يعد

في الكون شيء من مآثر أهلها

ولكل مأساة سبب

باعوا الخيول‏..

وقايضوا الفرسان في سوق الخطب

فليسقط التاريخ‏..‏ ولتحيا الخطب

أطفال بغداد الحزينة يصرخون

يأتي إلينا الموت في لبن الصغار

يأتي إلينا الموت في اللعب الصغيرة

في الحدائق‏..‏ في الأغاني

في المطاعم‏..‏ في الغبار

تتساقط الجدران فوق مواكب التاريخ

لا يبقى لنا منها‏..‏ جدار

عار على زمن الحضارة أي عار

من خلف آلاف الحدود

يطل صاروخ لقيط الوجه‏..

لم يعرف له أبداً مدار

ويصيح فينا‏:

أين أسلحة الدمار؟‏!

هل بعد موت الضحكة العذراء فينا

سوف يأتينا النهار؟

الطائرات تسد عين الشمس

والأحلام في دمنا انتحار

فبأي حق تهدمون بيوتنا

وبأي قانون

تدمر ألف مئذنة‏..‏ وتنفث سيل نار

تمضي بنا الأيام في بغداد

من جوع‏..‏ إلى جوع

ومن ظمأ‏..‏ إلى ظمأ

ووجه الكون جوع‏..‏ أو حصار

يا سيد البيت الكبير

في وجهك الكذاب

تخفي ألف وجه مستعار

نحن البداية في الرواية‏..

ثم يرتفع الستار

هذي المهازل لن تكون نهاية المشوار

هل صار تجويع الشعوب

وسام عز وافتخار؟‏!

هل صار قتل الناس في الصلوات

ملهاة الكبار؟‏!

هل صار قتل الأبرياء

شعار مجد‏ وانتصار؟!

أم أن حق الناس في أيامكم

نهب‏..‏ وذل‏..‏ وانكسار

الموت يسكن كل شيء حولنا

ويطارد الأطفال من دار‏.. ‏لدار

مازلت تسأل‏:

أين أسلحة الدمار؟!

‏*****

أطفال بغداد الحزينة

في المدارس يلعبون

كرة هنا‏..‏ كرة هناك

طفل هنا‏..‏ طفل هناك

قلم هنا‏..‏ قلم هناك

لغم هنا‏...‏ موت‏..‏ هلاك

بين الشظايا

زهرة الصبار تبكي

والصغار على الملاعب يسقطون

بالأمس كانوا

كالحمائم في الفضاء يحلقون

‏*****

في الكوفة الغراء

عطر من عبير المصطفى

فجر أضاء الكون يوماً

لا استكان ولا غفا

يا آل بيت محمد‏..

كم حن قلبي للحسين‏.. ‏وكم هفا

غابت شموس الحق والعدل اختفى

مهما وفى الشرفاء في أيامنا

زمن‏"‏النذالة‏" ما وفى..‏

مهما صفا العقلاء في أوطاننا

بئر الخيانة ما صفا..

بغداد يا بلد الرشيد

يا قلعة التاريخ والزمن المجيد

بين ارتحال الليل

والصبح المجنح لحظتان

موت‏..‏ وعيد

ما بين أشلاء الشهيد

يهتز عرش الكون في صوت الوليد

ما بين ليل قد رحل

ينساب صبح بالأمل

لا تجزعي بلد الرشيد

لكل طاغية‏..‏ أجل

‏*****

طفل صغير‏..

ذاب عشقاً في العراق

كراسة بيضاء يحضنها

وبعض الفل‏..‏ بعض الشعر والأوراق

حصالة فيها قروش

من بقايا العيد‏..‏ دمع جامد

يخفيه في الأحداق

عن صورة الأب الذي

قد غاب يوما‏ً..‏ لم يعد

وانساب مثل الضوء في الأعماق

يتعانق الطفل الصغير مع التراب

يطول بينهما العناق

خيط من الدم الغزير

يسيل من فمه

يذوب الصوت في دمه المراق

تخبو الملامح‏..‏ كل شيء في الوجود

يصيح في ألم‏:‏ فراق

والطفل يهمس في أسى‏:

أشتاق يا بغداد تمرك في فمي

من قال إن النفط أغلى من دمي؟‏!

بغداد لا تتألمي

مهما تعالت صيحة البهتان

في الزمن العمي

فهناك في الأفق البعيد صهيل فجر قادم

في الأفق يبدو سرب أحلام

يعانق أنجمي

مهما تواري الحلم عن عينيك

قومي‏..‏ واحلمي

ولتنثري في ماء دجلة أعظمي

فالصبح سوف يطل يوماً

في مواكب مأتمي

الله أكبر من جنون الموت

والزمن البغيض الظالم

بغداد لا تستسلمي

بغداد لا تستسلمي

من قال إن النفط أغلي من دمي؟!‏

---------------

 

مــا عــاد يكفــينا الغضــب

 

من قال إن العار يمحوه الغضب
وأمامنا عرض الصبايا يغتصب
صور الصبايا العاريات تفجرت
بين العيون نزيف دم من لهب

عار علي التاريخ كيف تخونه
همم الرجال ويستباح لمن سلب؟‏!‏
من قال إن العار يمحوه الغضب
وأمامنا عرض الصبايا يغتصب

صور الصبايا العاريات تفجرت
بين العيون نزيف دم من لهب
عار علي التاريخ كيف تخونه
همم الرجال ويستباح لمن سلب؟‏!‏

عار علي الأوطان كيف يسودها
خزي الرجال وبطش جلاد كذب؟‏!‏
الخيل ماتت‏..‏ والذئاب توحشت

تيجاننا عار‏..‏ وسيف من خشب
العار أن يقع الرجال فريسة
للعجز‏..‏ من خان الشعوب‏..‏ ومن نهب

            ***‏
لا تسألوا الأيام عن ماض ذهب
فالأمس ولي‏.‏ والبقاء لمن غلب
ما عاد يجدي أن نقول بأننا‏..‏
أهل المروءة‏..‏ والشهامة‏..‏ والحسب

ما عاد يجدي أن نقول بأننا‏..‏
خير الوري دينا‏..‏ وأنقاهم نسب
ولتنظروا ماذا يراد لأرضنا
صارت كغانية تضاجع من رغب

حتي رعاع الأرض فوق ترابنا
والكل في صمت تواطأ‏..‏ أو شجب
الناس تسأل‏:‏ أين كهان العرب؟‏!‏
ماتوا‏..‏ تلاشوا‏.‏ لا نري غير العجب

ولتركعوا خزيا أمام نسائكم
لا تسألوا الأطفال عن نسب‏..‏ وأب
لا تعجبوا إن صاح في أرحامكم
يوما من الأيام ذئب مغتصب

عرض الصبايا والذئاب تحيطه
فصل الختام لأمة تدعي‏'‏ العرب‏'‏

           ***‏
عرب‏..‏ وهل في الأرض ناس كالعرب؟‏!‏
بطش‏.‏ وطغيان‏..‏ ووجه أبي لهب
هذا هو التاريخ‏..‏ شعب جائع
وفحيح عاهرة‏..‏ وقصر من ذهب

هذا هو التاريخ‏..‏ جلاد أتي
يتسلم المفتاح من وغد ذهب
هذا هو التاريخ لص قاتل
يهب الحياة‏..‏ وقد يضن بما وهب

ما بين خنزير يضاجع قدسنا
ومغامر يحصي غنائم ما سلب
شارون يقتحم الخليل ورأسه
يلقي علي بغداد سيلا من لهب

ويطل هولاكو علي أطلالها
ينعي المساجد‏..‏ والمآذن‏..‏ والكتب
كبر المزاد‏..‏ وفي المزاد قوافل
للرقص حينا‏..‏ للبغايا‏.‏ للطرب

ينهار تاريخ‏..‏ وتسقط أمة
وبكل قافلة عميل‏..‏ أو ذنب
سوق كبير للشعوب‏..‏ وحوله
يتفاخر الكهان من منهم كسب

           ***‏
جاءوا إلي بغداد‏..‏ قالوا أجدبت‏..‏
أشجارها شاخت‏..‏ ومات بها العنب
قد زيفوا تاجا رخيصا مبهرا
‏'‏ حرية الإنسان‏'..‏ أغلي ما أحب

خرجت ثعابين‏..‏ وفاحت جيفة
عهر قديم في الحضارة يحتجب
وأفاقت الدنيا علي وجه الردي
ونهاية الحلم المضيء المرتقب

صلبوا الحضارة فوق نعش شذوذهم
يا ليت شيئا غير هذا قد صلب
هي خدعة سقطت‏..‏ وفي أشلائها
سرقت سنين العمر زهوا‏..‏ أو صخب

حرية الإنسان غاية حلمنا
لا تطلبوها من سفيه مغتصب
هي تاج هذا الكون حين يزفها
دم الشعوب لمن أحب‏..‏ومن طلب

شمس الحضارة أعلنت عصيانها
وضميرها المهزوم في صمت غرب

             ***‏
بغداد تسأل‏..‏ والذئاب تحيطها
من كل فج‏.‏ أين كهان العرب؟‏!‏
وهناك طفل في ثراها ساجد
مازال يسأل كيف مات بلا سبب؟‏!‏

كهاننا ناموا علي أوهامهم
ليل وخمر في مضاجع من ذهب
بين القصور يفوح عطر فادح
وعلي الأرائك ألف سيف من حطب

وعلي المدي تقف الشعوب كأنها
وهم من الأوهام‏..‏ أو عهد كذب
فوق الفرات يطل فجر قادم
وأمام دجلة طيف حلم يقترب

وعلي المشارف سرب نخل صامد
يروي الحكايا من تأمرك‏..‏ أو هرب
هذي البلاد بلادنا مهما نأت
وتغربت فينا دماء‏..‏ أو نسب

يا كل عصفور تغرب كارها
ستعود بالأمل البعيد المغترب
هذي الذئاب تبول فوق ترابنا
ونخيلنا المقهور في حزن صلب

موتوا فداء الأرض إن نخيلها
فوق الشواطئ كالأرامل ينتحب
ولتجعلوا سعف النخيل قنابلا
وثمارها الثكلي عناقيد اللهب

فغدا سيهدأ كل شيء بعدما
يروي لنا التاريخ قصة ما كتب
وعلي المدي يبدو شعاع خافت
ينساب عند الفجر‏..‏ يخترق السحب

ويظل يعلو فوق كل سحابة
وجه الشهيد يطل من خلف الشهب
ويصيح فينا‏:‏ كل أرض حرة
يأبي ثراها أن يلين لمغتصب

ما عاد يكفي أن تثور شعوبنا
غضبا‏..‏ فلن يجدي مع العجز الغضب
لن ترجع الأيام تاريخا ذهب
ومن المهانة أن نقاتل بالخطب

هذي خنادقنا‏..‏ وتلك خيولنا
عودوا إليها فالأمان لمن غلب
ما عاد يكفينا الغضب
ما عاد يكفينا الغضب

 

الثلاثاء 22 ربيع الاول 1425 / 11 آيار 2004

 

في وداع جورج بوش

 

 

كل الذي أخفيته يبدو عليك
فاخلع ثيابك وارتحل
اعتدت أن تمضي أمام الناس
دوما عاريا
فارحل وعارك في يديك

لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة
أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر عصفورة بيضاء
تغفو في ثيابك
ربما سكنت إليك

لا تنتظر أما تطاردها دموع الراحلين
لعلها تبكي عليك
لا تنتظر صفحا جميلا
فالدماء السود مازالت تلوث راحتيك

وعلي يديك دماء شعب آمن
مهما توارت لن يفارق مقلتيك
كل الصغار الضائعين
علي بحار الدم في بغداد صاروا‏..‏

وشم عار في جبينك
كلما أخفيته يبدو عليك
كل الشواهد فوق غزة والجليل
الآن تحمل سخطها الدامي

وتلعن والديك
ماذا تبقي من حشود الموت
في بغداد‏..‏ قل لي
لم يعد شيء لديك

هذي نهايتك الحزينة
بين أطلال الخرائب
والدمار يلف غزة
والليالي السود‏..‏ شاهدة عليك
فارحل وعارك في يديك
الآن ترحل غير مأسوف عليك‏..‏

         *** 
ارحل وعارك في يديك
انظر إلي صمت المساجد والمنابر تشتكي
ويصيح في أرجائها شبح الدمار
انظر إلي بغداد تنعي أهلها
ويطوف فيها الموت من دار لدار
الآن ترحل عن ثري بغداد

خلف جنودك القتلي
وعارك أي عار
مهما اعتذرت أمام شعبك
لن يفيدك الاعتذار
ولمن يكون الاعتذار ؟

للأرض‏..‏ للطرقات‏..‏ للأحياء‏..‏ للموتي‏..‏
وللمدن العتيقة‏..‏ للصغار ؟‏!‏
لمواكب التاريخ‏..‏ للأرض الحزينة
للشواطيء‏..‏ للقفار ؟‏!‏
لعيون طفل مات في عينيه ضوء الصبح
واختنق النهار ؟‏!‏

لدموع أم
لم تزل تبكي وحيدا
صار طيفا ساكنا فوق الجدار ؟‏!‏
لمواكب غابت
وأضناها مع الأيام طول الانتظار ؟‏!‏
لمن يكون الاعتذار ؟
لأماكن تبكي علي أطلالها

ومدائن صارت بقايا من غبار ؟‏!‏
لله حين تنام
في قبر وحيدا‏..‏ والجحيم تلال نار ؟‏!!‏

          *** 
ارحل وعارك في يديك
لاشيء يبكي في رحيلك‏..‏
رغم أن الناس تبكي عادة عند الرحيل
لاشيء يبدو في وداعك
لا غناء‏..‏ ولادموع‏..‏ ولاصهيل
مالي أري الأشجار صامتة
وأضواء الشوارع أغلقت أحداقها

واستسلمت لليل‏..‏ والصمت الطويل
مالي أري الأنفاس خافتة
ووجه الصبح مكتئبا
وأحلاما بلون الموت
تركض خلف وهم مستحيل
اسمع جنودك

في ثري بغداد ينتحبون في هلع
فهذا قاتل‏...‏ ينعي القتيل‏..‏
جثث الجنود علي المفارق
بين مأجور يعربد
أو مصاب يدفن العلم الذليل
ماذا تركت الآن في بغداد من ذكري
علي وجه الجداول‏..‏

غير دمع كلما اختنقت يسيل
صمت الشواطئ‏..‏ وحشة المدن الحزينة‏..‏
بؤس أطفال صغار
أمهات في الثري الدامي
صراخ‏..‏ أو عويل‏..‏
طفل يفتش في ظلام الليل

عن بيت تواري
يسأل الأطلال في فزع
ولا يجد الدليل
سرب النخيل علي ضفاف النهر يصرخ
هل تري شاهدت يوما‏..‏
غضبة الشطآن من قهر النخيل ؟‏!‏
الآن ترحل عن ثري بغداد
تحمل عارك المسكون
بالنصر المزيف
حلمك الواهي الهزيل‏..‏

        ***
ارحل وعارك في يديك
هذي سفينتك الكئيبة
في سواد الليل ترحل
لا أمان‏..‏ ولا شراع
تمضي وحيدا في خريف العمر‏..‏
لا عرش لديك‏..‏ ولا متاع
لا أهل‏..‏ لا أحباب‏..‏ لا أصحاب
لا سندا‏...‏ ولا أتباع

كل العصابة فارقتك إلي الجحيم
وأنت تنتظر النهاية‏..‏
بعد أن سقط القناع
الكون في عينيك كان مواكبا للشر‏..‏
والدنيا قطيع من رعاع
الأفق يهرب والسفينة تختفي
بين العواصف‏..‏ والقلاع

هذا ضمير الكون يصرخ
والشموع السود تلهث
خلف قافلة الوداع
والدهر يروي قصة السلطان
يكذب‏..‏ ثم يكذب‏..‏ ثم يكذب
ثم يحترف التنطع‏..‏ والبلادة والخداع
هذا مصير الحاكم الكذاب
موت‏..‏ أو سقوط‏..‏ أو ضياع

             ***
ما عاد يجدي‏..‏
أن تعيد عقارب الساعات‏..‏ يوما للوراء
أو تطلب الصفح الجميل‏..‏
وأنت تخفي من حياتك صفحة سوداء
هذا كتابك في يديك فكيف تحلم أن تري‏..‏
عند النهاية صفحة بيضاء
الأمس مات‏..‏

ولن تعيدك للهداية توبة عرجاء
وإذا اغتسلت من الذنوب
فكيف تنجو من دماء الأبرياء
وإذا برئت من الدماء‏..‏ فلن تبرئك السماء
لو سال دمعك ألف عام لن يطهرك البكاء
كل الذي في الأرض
يلعن وجهك المرسوم
من فزع الصغار وصرخة الشهداء
أخطأت حين ظننت يوما
أن في التاريخ أمجادا لبعض الأغبياء‏..‏

                ***
ارحل وعارك في يديك
وجه كئيب
وجهك المنقوش فوق شواهد الموتي
وسكان القبور
أشلاء غزة والدمار سفينة سوداء
تقتحم المفارق والجسور
انظر إلي الأطفال يرتعدون
في صخب الليالي السود‏..‏
والحقد الدفين علي الوجوه
زئير بركان يثور

وجه قبيح وجهك المرصود
من عبث الضلال‏..‏ وأوصياء الزور
لم يبق في بغداد شيء‏..‏
فالرصاص يطل من جثث الشوارع
والردي شبح يدور
حزن المساجد والمنابر تشتكي
صلواتها الخرساء‏..‏
من زمن الضلالة والفجور

          ***
ارحل وعارك في يديك
ما عاد يجدي أن يفيق ضميرك المهزوم
أن تبدي أمام الناس شيئا من ندم
فيداك غارقتان في أنهار دم
شبح الشظايا والمدي قتلي
ووجه الكون أطلال‏..‏ وطفل جائع
من ألف عام لم ينم
جثث النخيل علي الضفاف

وقد تبدل حالها
واستسلمت للموت حزنا‏..‏ والعدم
شطآن غزه كيف شردها الخراب
ومات في أحشائها أحلي نغم
وطن عريق كان أرضا للبطولة‏..‏
صار مأوي للرمم‏!‏
الآن يروي الهاربون من الجحيم
حكاية الذئب الذي أكل الغنم
‏:‏ كان القطيع ينام سكرانا
من النفط المعتق
والعطايا‏..‏ والهدايا‏..‏ والنعم

منذ الأزل
كانوا يسمون العرب
عبدوا العجول‏..‏ وتوجوا الأصنام‏..‏
واسترخت قوافلهم‏..‏ وناموا كالقطيع
وكل قافلة يزينها صنم
يقضون نصف الليل في وكرالبغايا‏..‏
يشربون الوهم في سفح الهرم
الذئب طاف علي الشواطيء
أسكرته روائح الزمن اللقيط

لأمة عرجاء قالوا إنها كانت ـ ورب الناس ـ من خير الأمم‏..‏
يحكون كيف تفرعن الذئب القبيح
فغاص في دم الفرات‏..‏
وهام في نفط الخليج‏..‏
وعاث فيهم وانتقم
سجن الصغار مع الكبار‏...‏
وطارد الأحياء والموتي
وأفتي الناس زورا في الحرم
قد أفسد الذئب اللئيم

طبائع الأيام فينا‏..‏ والذمم
الأمة الخرساء تركع دائما
للغاصبين‏..‏ لكل أفاق حكم
لم يبق شيء للقطيع
سوي الضلالة‏..‏ والكآبة‏..‏ والسأم
أطفال غزه يرسمون علي
ثراها ألف وجه للرحيل‏..‏
وألف وجه للالم
الموت حاصرهم فناموا في القبور
وعانقوا أشلاءهم
لكن صوت الحق فيهم لم ينم
يحكون عن ذئب حقير

أطلق الفئران ليلا في المدينة
ثم اسكره الدمار
مضي سعيدا‏..‏ وابتسم‏..‏
في صمتها تنعي المدينة
أمة غرقت مع الطوفان
واسترخت سنينـا في العدم
يحكون عن زمن النطاعة
عن خيول خانها الفرسان
عن وطن تآكل وانهزم
والراكعون علي الكراسي
يضحكون مع النهاية‏..‏

لا ضمير‏..‏ ولا حياء‏..‏ ولا ندم
الذئب يجلس خلف قلعته المهيبة
يجمع الحراس فيها‏..‏ والخدم
ويطل من عينيه ضوء شاحب
ويري الفضاء مشانقا
سوداء تصفع كل جلاد ظلم
والأمة الخرساء
تروي قصة الذئب الذي خدع القطيع‏..‏
ومارس الفحشاء‏..‏ واغتصب الغنم

               ***
ارحل وعارك في يديك
مازلت تنتظر الجنود العائدين‏..‏
بلا وجوه‏..‏ أو ملامح
صاروا علي وجه الزمان
خريطة صماء تروي‏..‏
ما ارتكبت من المآسي‏..‏ والمذابح
قد كنت تحلم أن تصافحهم
ولكن الشواهد والمقابر لا تصافح
إن كنت ترجو العفو منهم

كيف للأشلاء يوما أن تسامح
بين القبور تطل أسماء‏..‏
وتسري صرخة خرساء
نامت في الجوانح
فرق كبير‏..‏
بين سلطان يتوجه الجلال
وبين سفاح تطارده الفضائح

            ***  
الآن ترحل غير مأسوف عليك
في موكب التاريخ سوف يطل وجهك
بين تجار الدمار وعصبة الطغيان
ارحل وسافر‏..‏
في كهوف الصمت والنسيان
فالأرض تنزع من ثراها
كل سلطان تجبر‏..‏ كل وغد خان
الآن تسكر‏..‏ والنبيذ الأسود الملعون
من دمع الضحايا‏..‏ من دم الأكفان

سيطل وجهك دائما
في ساحة الموت الجبان
وتري النهاية رحلة سوداء
سطرها جنون الحقد‏..‏ والعدوان
في كل عصر سوف تبدو قصة
مجهولة العنوان
في كل عهد سوف تبدو صورة
للزيف‏..‏ والتضليل‏..‏ والبهتان
في كل عصر سوف يبدو
وجهك الموصوم بالكذب الرخيص
فكيف ترجو العفو والغفران
قل لي بربك‏..‏
كيف تنجو الآن من هذا الهوان ؟‏!‏
ما أسوأ الإنسان حين يبيع سر الله للشيطان

                ***
في قصرك الريفي‏..‏
سوف يزورك القتلي بلا استئذان
وتري الجنود الراحلين
شريط أحزان علي الجدران
يتدفقون من النوافذ‏..‏ من حقول الموت
أفواجا علي الميدان
يتسللون من الحدائق‏..‏ والفنادق
من جحور الأرض كالطوفان
وتري بقاياهم بكل مكان
ستدور وحدك في جنون
تسأل الناس الأمان
أين المفر وكل ما في الأرض حولك
يعلن العصيان ؟‏!‏

الناس‏..‏ والطرقات‏..‏ والشهداء والقتلي
عويل البحر والشطآن
والآن لا جيش‏..‏ ولا بطش‏..‏ ولا سلطان
وتعود تسأل عن رجالك‏:‏ أين راحوا ؟
كيف فر الأهل‏..‏ والأصحاب‏..‏ والجيران ؟
يرتد صوت الموت يجتاح المدينة
لم يعد أحد من الأعوان
هربوا جميعا‏..‏
بعد أن سرقوا المزاد‏..‏ وكان ما قد كان
ستطل خلف الأفق قافلة من الأحزان
حشد الجنود العائدين علي جناح الموت
أسماء بلا عنوان

صور الضحايا والدماء السود‏..‏
تنزف من مآقيهم بكل مكان
أطلال بغداد الحزينة
صرخة امرأة تقاوم خسة السجان
صوت الشهيد علي روابي القدس‏..‏
يقرأ سورة الرحمن
وعلي امتداد الأفق مئذنة بلون الفجر
في شوق تعانق مريم العذراء
يرتفع الأذان
الوافدون أمام بيتك يرفعون رؤوسهم
وتطل أيديهم من الأكفان
مازلت تسأل عن ديانتهم

وأين الشيخ‏..‏ والقديس‏..‏ والرهبان ؟
هذي أياديهم تصافح بعضها
وتعود ترفع راية العصيان
يتظاهر العربي‏..‏ والغربي
والقبطي والبوذي
ضد مجازر الشيطان
حين استوي في الأرض خلق الله
كان العدل صوت الله في الأديان
فتوحدت في كل شيء صورة الإيمان
وأضاءت الدنيا بنور الحق
في التوراة‏..‏ والإنجيل‏..‏ والقرآن
الله جل جلاله‏..‏ في كل شيء
كرم الإنسان

لا فرق في لون‏..‏ ولا دين
ولا لغة‏..‏ ولا أوطان
‏\'‏خلق الإنسان علمه البيان‏\'‏
الشمس والقمر البديع
علي سماء الحب يلتقيان
العدل والحق المثابر
والضمير‏..‏ هدي لكل زمان
كل الذي في الكون يقرأ
سورة الإنسان‏..‏
يرسم صورة الإنسان‏..‏
فالله وحدنا‏..‏ وفرق بيننا الطغيان

             ***
فاخلع ثيابك وارتحل
وارحل وعارك في يديك
فالأرض كل الأرض ساخطة عليك